الاثنين، 28 مايو، 2007

انتظرونا سنعود


المدونة تعاني من حالة ملل


لذا فهي متوقفة مؤقتًا

الثلاثاء، 22 مايو، 2007

لأنها تدخن كثيرا وتحب عصير المانجو ومحمود درويش


جلستُ بانتظارها

وجلستْ بانتظاري

أعدتْ لي قهوة

وأعددتُ لها نبيذا أحضره لي صديق مشترك

لم يعلم أننا سنشربه سويا

حين دخلتْ حمامها

دخلتُ حمامي

تذكرتني حين بلل الماء مناطق شهوتها

وتذكرتها وأنا أجفف مناطق شهوتي

أعدَّتْ فراشها

وأعددتُ فراشي

أجَِّلتُ وضع العطر حتى يقترب الموعد

وأسرفت هي في وضع عطرها

فوق العنق وبين النهدين

أدارت موسيقى شرقية

وأدرتُ موسيقى غربية

رقصتْ بهدوء

ورقصتُ بعنف

حددتُ لها ساعة ستأتي خلالها

واستراحت هي حين رأت أن أمامي
ستين دقيقة

خلعتْ ملابسها وسارت عارية

وخلعتُ ملابسي وسرت عاريا

وحين دقت الساعة معلنة

مرور خمس ساعات بعد الموعد

جلستْ بانتظاري

وخرجت أنا لموعد على المقهى

مع صديق مشترك

يحب أن يهدي نبيذا لأصدقائه

وقلت: ربما تجيء

الجمعة، 18 مايو، 2007




حرفية اللعب مع الموروث في لونه أزرق بطريقة محزنة

وائل السمري



نشرت بمجلة الثقافة الجديدة مايو 2007


لعل ذلك العنوان المراوغ "لونه أزرق بطريقة محزنة" الذي عنون به القاص "محمد صلاح العزب" مجموعته القصصية التي حصلت على جائزة "المبدعون" التي تقيمها مجلة الصدى الإماراتية ونشرت ضمن سلسلة الكتاب الأول بالمجلس الأعلى للثقافة هو أول ما يستوقفنا عند قراءتها، وذلك لما يحمله اللون بصفة عامة، واللون الأزرق بصفة خاصة من دلالات ثرية ومتعددة وفياضة.

فأول ما يتبادر إلى الذهن، هو الاعتقاد بأن المقصود بالضمير "الهاء" في كلمة "لونه" هو البحر لكونه ـ أي البحر ـ أكبر وأول مكون في الطبيعة يحمل تلك الصفة ـ الزرقة ـ في مقابل السماء التي توصف بالزرقة أيضا، ومادام الضمير هنا يشير إلى المذكر، فالمشار إليه من البدهي أن يكون البحر؛ فما نلبث أن نضع أنفسنا بين رومانسية الرؤية ـ اتساقا مع الخلفية الثقافية المحورية للمدرسة الرومانسية بتأملاتها وتأوهاتها ـ وحداثية التركيب في قصدية الإبهام حتى ولو كان شفيفا.

لكن ما نفاجأ به هو أن ذلك العنوان هو عنوان لقصة من قصص المجموعة الغارقة في الواقعية المؤلمة (وليست الرومانسية الحالمة)، وأن الضمير في كلمة "لونه" لا يشير إلى البحر أو السماء.... وإنما المقصود به هو :"طقم جينز"!!

والعنوان بصفة عامة قد يكون ملخصا للرؤية الفنية أو ملخصا للموضوع أو مكملا له أو موازيا للأحداث أو حاويا لها....، لكن أهم ما يميز ذلك العنوان هو كونه يحمل مفتاحا تكنيكيا سحريا، حيث يخبرنا بشيء من المكر: بقصدية الجدل مع الموروث ومخاتلته حتى لو كان ذلك الموروث قريبا ـ مثل الموروث "الرومانسي" في مقابل الواقعية المتجددة والمتعددة بتعدد زوايا النظر إليها.

"سراويل قصيرة"، "شارب أصفر خفيف"، "الخروج مع القافلة"، بتلك العناوين الرئيسة يقسم الكاتب مجموعته إلى ثلاثة أقسام شبه متساوية (من حيث عدد القصص في كل) وأبرز ما تشير إليه تلك العناوين هو تقسيمها لعمر الإنسان من المهد إلى الخروج إلى "الحياة" مما يوحي بشبهة أن المجموعة ما هي إلا سيرة ذاتية للراوي، لكن تلك الشبهة سرعان ما تتبدد حينما نلحظ أمرين:
أولهما : اختلاف ضمائر السرد ومكانية الخطاب في مختلف قصص المجموعة.
ثانيهما : اختلاف البيئة المكانية والحضارية، وذلك يتضح مثلا في قصة "ربع جنيه يسعد الحمامة" (القسم الأول من المجموعة) حيث تعرض بيئة ريفية بكل مكوناتها،خلافا لقصة "الجلوس على حافة الضحك" التي تعرض بيئة مدنية صرفة.
لكن الجدير بالإشارة هنا هو أن تلك القصص التي تتمحور حول الإنسان العادي المتأمل حينا والمتألم أحيانا، متخذة الشخصية المصرية كنموذج لما يعانيه الإنسان في تطلعاته، وإحباطاته في مختلف مراحله العمرية وانحساراته المكانية.

ومثالا على ذلك تأتي القصة سالفة الذكر "ربع جنيه يسعد الحمامة" التي تدور أحداثها في قرية يوقف أبناؤها كل أحلامهم وأفراحهم على يوم العيد، ويوقف "سعد"ـ بطل القصة ـ كل أحلامه وتطلعاته على "الأراجوز"! الذي يرى فيه نفسه المستمتعة والممتعة في آن، ويصور الراوي مدى حب سعد للأراجوز حيث يقول : "قضى سعد ليلته ساهرا يشاهد الأراجوز في سقف الحجرة المظلم" بل يريد أن يشاركه كل من يعرفهم ذلك الفرح والانتظار حين يقول "داخل الجامع رفع صوته بالتكبير مكورا يديه بوقا أمام فمه ليوقظ صوته أباه النائم في البيت" متقمصا بذلك دورا لمؤذن مُشتهى يؤذن بالفرح والسعادة والضحك.

ويصل إعجابه بالأراجوز إلى درجة التقمص، حينما يرى أن من واجبه أن يضحك الناس، وتكون سعادته غامرة بذلك، بل ويتجلى ذلك التقمص حينما يؤثر صاحبته على نفسه، فيدخلها هي بنقوده الضئيلة ـ مضحيا بفرجته المنتظرة ـ لكي تتفرج هي على الأراجوز، بينما هو في الخارج يستمتع بضحكات الأطفال ومن بينهم صاحبته؛ لأنهم يتفرجون على الأراجوز/عليه.

ينجح الكاتب هنا أن يصيغ عالما ملئوه الحب والإيثار ـ عالم الصغار ـ ويعطينا بذلك العالم ما يشبه الصفحة البيضاء وبالمقابل سوف يعطينا السواد الحقيقي حينما يصدم ذلك العالم الجميل بعالم الكبار، ويتجلى ذلك في كل قصص المجموعة تقريبا وبالأخص في قصة "داخل الخارج " التي يقف عنوانها كلغز يصعب حله إلا حينما نربطه برابط دلالي خارجي : هذا الرابط هو الإهداء الذي يقول فيه
" إلى أبي أمي أحمد إيمان..الملخص المفيد لهذه الدنيا الكبيرة "
وهذا الإهداء مبني على أن هناك دنيا كبيرة وهي العالم الخارجي / الخارج، ودنيا صغيرة وهي العالم الداخلي / الداخل / الأسرة، ويضع الكاتب بذلك التركيب الإشكالي "داخل الخارج " أساسا جدليا جديدا يسير جنبا إلى جنب مع الجدل مع الموروث.
واتساقا مع ذلك المفهوم الإبداعي للدنيا الكبيرة / الخارج والدنيا الصغيرة/ الداخل الذي وضع أساسه في الإهداء، يسرد واصفا بطل قصة حينما يقول" نزل إلى الدنيا الكبيرة يحمل أعوامه الإثني عشر" وذلك حينما فر من بيته هاربا من تخاذل أبيه وبطش زوجة أبيه وقهر ابنها له، ويأتي ذلك الهرب بعد أن سرق " بعضا مما سينفقونه عليه لمدة أسبوع أو اثنين دفعة واحدة " وحينا ينزل إلى الدنيا الكبيرة يشعر بضآلة حجمه ووحدته حينما يرى أن " الشوارع خالية تماما "،ثم يشعر بالجوع والتعب وتصدمه قسوة الشارع عليه " صفعته أبواب الحوانيت الموصدة " ويشعر بالهوان حين "دون سبب يسبه سكير " ,كما يشعر بالهجوم عليه من كل ما يحيط به حينا يتعرض للتحرش من شاذ، ثم يقابله متشرد ويحاول أن يسرقه، كل هذا الهجوم من جانب الدنيا الكبيرة / الخارج يجبره على الرجوع إلى الداخل، ولكن ليس قبل أن يضع تعريفا لحياته القادمة فيقول " تضربه أم زينهم يأكل،يضربه زينهم..يأوي إلى الفراش "
وإن أردنا أن نشكلها كتابيا فتكون
ضرب أم زينهم =الأكل
ضرب زينهم =المأوى
وبذلك التعريف المؤلم يجعل عاملي الحياة ـالمأكل والمأوىـ مضمخين بتراب المذلة والألم والهوان.
لكنه لا يفوته ذكر سبب ذلك الشقاء المحتم : ألا وهو فقدان الأم حينما يتوجه لها بتلك المناجاة :
"أين أنت يا أمي.. ؟ لماذا ذهبت ؟..لو كنت موجودة لاطعتك في كل شيء ..لما ضربتني " أم زينهم ..ولا "زينهم" حتى أبي لم يكن ليضربني و أنت موجودة.. لماذا أنت التي تموتين ؟.. لماذا لم تمت أم زينهم وزينهم ؟.. أريد أن أموت لأقابلك في السماء "
تلك المناجاة بعذوبتها وعفويتها وصدقها وألمها تذكرنا بالدعاء الذي فاض به النبي محمد "ص" الذي قال فيه " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس....إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري....."
وذلك حينما رجع من رحلته للطائف خالي الوفاض اللهم إلا من القسوة والألم وخيبة الأمل، فكافأه ربه باستضافته في السماء وذلك في رحلة الإسراء والمعراج وهو ما يطلبه بطل القصة في آخر المناجاة " لأقابلك في السماء".
وإمعانا في الجدل مع الموروث يأبى الكاتب أن نخرج من القصة سالمين حينما يقول إن بطل قصته رجع إلى فراشه الذي " لم يفقد دفأه بعد" تلك الكلمة هي نفسها التي قالها النبي محمد "ص" حينما سأل عن التوقيت الذي استغرقه في رحلة الإسراء والمعراج ؟!.
وهذا الاستخدام للموروث يتصف بشيء غاية في الأهمية ألا وهو الاستخدام الخاص ففي السيرة النبوية يكون اضطهاد النبي وإيذاءه في قريش / الداخل هو سبب خروجه إلى الطائف / الخارج وإيذاءه في الطائف ثم رجوعه ودعائه إلى ربه ثم استضافته في السماء ورجوعه إلى فراشه راضيا ومطمئنا هي نهاية قصة الإسراء والمعراج وبداية لانتصارات مادية ومعنوية كبيرة، أما في قصتنا، فالقهر والإيذاء في البيت قبل الخروج وفي الخروج من البيت وفي أثناء الرحلة إلى الخارج وفي العودة وفي بقية الحياة في الداخل فلا رضا ولا اطمئنان ولا انتصار.

ومن الأب المتخاذل في قصة داخل الخارج إلى الأب الانهزامي المتردد في قصة " مفتاح واحد فقط"، تلك القصة التي تعرض صورة مكتملة لشخصية الأب في معظم قصص المجموعة التي تظهر مثلا بعض ملامحهاـ أي شخصية الأب ـ في قصة " في الظروف العادية لا تتسع الملابس " التي يظهر فيها الأب بحجم أضأل من حجمه فتتسع ملابسه في عين ابنه، وكقصة " فصل في الوضوء وفيها تظهر قسوة الأب تجاه ابنه وإجباره على الوضوء والصلاة و"كيه بالجلسرين "لان يديه التهبت من استعمال المياه المتكرر فتكون النتيجة أن يذهب الابن للصلاة مع أبيه بلا وضوء وغير تلك القصص كثير.

أما في" مفتاح واحد فقط " فتظهر السمات الشخصية للأب مجتمعة ففي البداية يقول الأب إنه يكره القفل الذي يوصد به الجد باب البيت " عقب صلاة العشاء " ذلك الجد الطاغية الذي يقول عنه الحفيد " لو وضع جدي يده على كتفك بحنان مكلما إياك بشكل ودود لضربك الزلزال من داخلك " وحينما يقول الأب انه يريد أن يكسر هذا القفل يتشكك في نية الأب قائلا "هل يريد أبي ذلك حقا " وهذا الشك شك في قدرة الأب وإرادته، بما يوحي بتعود الأب على الاستسلام لهذا الأسر.

كما تعكس تلك القصة سلوك الأب مع من هم تحت إمرته وقسوته في التعامل مع من لا يقدس الجد / القفل، حينما يقول " أبي يضرب من لا يمشي على الأرض هونا"، وكذلك محاولته بث روح اليأس وعدم الاجتراء على طلب الحق حينما تطلب منه زوجته أن يأتي بمفتاح بديل فيقول " لو جرؤت اطلبيه أنت " كل ذلك يجعل الابن في حاله دائمة من الرهبة والخوف تنعكس عليه نفسيا ومظهريا حينما يتساءل أمام المرآة عن سر الشعيرات البيضاء " في رأسه.

وتظهر نتائج شخصية الأب هذه حينما يمرض الابن الأصغر في جوف الليل، فيدعي النوم في أول الأمر وحينما يدرك شدة مرض الابن الأصغر يقوم متوترا غير قادر على الفعل الايجابي ف " يذرع الشقة من أولها لآخرها " ثم يصرح لهم بعدم مقدرته على إيقاظ الجد.
ويفشل في إصابة الحلول السليمة حينما ينتهي تفكير لإنقاذ الموقف بأن ُينزل الابن المريض على سلم وحتى ذلك السلم يسخر منه فلا يصل حتى إلى نصف المسافة، ونتيجة لذلك التخاذل، القسوة، الجبن، السلبية، الانهزامية، القصور : ينسحب الأب تماما من الحدث الرئيس ليصعد دور الابن جليا مكملا ما لا يقدر عليه أبوه، فيقول بحزم " سأنزل واطلب منه المفتاح "

ملجما بالرهبة ومدفوعا بحرارة وجه أخيه المريض، لا يشعر بنفسه إلا وقد نزل الدرج كله، وأمام باب شقة الجد يقف مبهوتا مترددا يشتته الخوف وهو يراهم ـ أبيه وأمه وأخيه ـ ينظرون إليه في صمت يزيد من توتره وتشتته فيدور ذلك الحوار الداخلي بينه وبينه
" كيف سأواجه.. ؟... ماذا لو.... ؟ لا أستطيع.... سأرجع "

بتلك الكلمات المتقطعة التي تعكس مدى تمزقه في ذلك الموقف يكون ذلك الحوار هو مرآته التي تبين مدى خوفه وقلقه، فيكون قرار الرجوع ـ طبقا لما تعلمه من الأب ـ هو الحل الأمثل وفي تلك اللحظة يصله المدد والعون والوقود الدافع ليكمل رحلته ويأخذ بيد روحه المهترئة وتوصله لما يبتغيه: ذلك المدد والعون والوقود يتمثل في" دمعة من عين أمي سقطت في عيني المتطلعة لأعلى " فتلم تلك الدمعة شتات روحه وتهيئه للقيام بدوره شبه الإسطوري في طلب المفتاح من جده.

وجود الأم هنا هو ما يجعل الأحداث تتحرك بايجابية، وكأنه ـ أي الكاتب ـ يريد أن يبرز أننا من الشعوب الأمومية التي تقدس وتعلى من شان الأم الخالقة والمبدعة والمعينة والمرشدة، وتحديدا وبتلك الدمعة التي سقطت من عين أمه إلى عينه المتطلعة لأعلى " يستلهم روح الأسطورة المصرية القديمة ـ أسطورة إيزيس وأوزوريس لكنه ـأي الراوي ـ يحتل مقعد الأب المخصب والابن آخذ الثأر في آن ، فمنذ بداية رحلة طلب المفتاح يتبوأ مقعد أوزوريس وبعد ما تسقط الدمعة في عينه يتحول الابن الأب إلى الابن الابن / حوريس فيقف أمام الباب ويبدأ في حسم الأمر .

" مددت يدي.. بخوف اطرق الباب، لا رد. اطرق بتردد، الباب كما هو،بقوة اطرق، بحسم اطرق.. بقوة اطرق.. بتمرد اطرق "

ومع تجاور عملان للقوة ـ دمعة الأم،و وهن الباب ـ ينسي مرض الأخ وبكاء الأم والبوابة وجده وصار يطرق على الباب وكأن الهدف من نزوله هو الطرق، محدثا صوتا يهز الليل ويثبته هو، ويصف الراوي شعور الابن طبقا لزاوية الرؤية فيقول.

"فقط اطرق فأشعر أنني أكبر.. أتمدد.. أصير عملاقا.. ماردا "
لكن علينا ـ نحن القراء ـ أن نستنتج ماذا يحدث على الجانب الآخر من الباب بالإضافة للجانب الأول الذي عرضه طبقا لزاوية الرؤية فتكون الرؤية من الجانبين كالتالي.
اشعر أنني اكبر = يصغر

أتمدد = ينكمش
أصير عملاقا = يتلاشى
ماردا = يختفي

ويدعم ذلك الاستنتاج ما يعرض من أحداث لاحقة، حيث لا يفتح الجد وتنزل الأسرة كلها مدهوشين لما يحدث فيتجه الابن إلى البوابة فيجدها مفتوحة ؟!
" هل نسيها جدي أم كانت مفتوحة دائما " وبهذا السؤال ينهي القصة على ذلك النحو، وينحو منحى آخر في تعامله مع الموروث في بعض القصص الأخرى من المجموعة.


فمن التمثل المتجادل مع قصة الإسراء والمعراج، ثم التقاط المدد الإسطوري من دمعة إيزيس إلى الغرام بالدائرة الشقائية كما في أسطورة سيزيف اليونانية : تلك الأسطورة التي تصور مدى شقاء الإنسان في كل مراحل حياته فقد حكم على سيزيف بان يحمل صخرة كبيرة ويقذف بها من أعلى قمة الجبل ثم بعد ذلك الإتيان بنفس الصخرة من السفح والصعود بها مرة أخرى ورميها من أعلى.. وهكذا إلى ابد الدهر وتلك الأسطورة بهذا الشقاء الملازم تتماس مع فكرة عميقة في الثقافة الإسلامية على اعتبار أن الدنيا " دار شقاء " وعلى اعتبار نزول ادم إليها على الرغم من التحذير الرباني " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " طه 117 إلا انه نزل إلى دار الشقاء، ووجدنا أنفسنا ـ نحن البشر ـ في هذا الشقاء الذي لم نختره .
واتساقا مع هذه الفكرة تأتي قصة " وكانت حقيبتي لا تزال بالداخل " فبطلها طفل في المرحلة الابتدائية ومكان القصة داخل الفصل المدرسي / الدنيا وفيه يتعرض للعقاب المبرح من مدرس الفصل فيترك الفصل هاربا إلى الخارج بعد أن يشتم الفصل بمن فيه قائلا " يا ولود الكلب " لكنا ما نلبث أن نتشفى في هذا الفصل وهذا المدرس حتى نتذكر عنوان القصة " وكانت حقيبتي لا تزال بالداخل " لنعرف أن ذلك الطفل لابد أن يرجع إلى الفصل لكي يأخذ حقيبته ومن ثم يتعرض لنفس العقاب مرة أخرى ليهرب منه مرة أخرى..... وهكذا إلى آخر عمره في المدرسة / الدنيا .

أما في قصة " إنشطار " التي تدور في إطار خيالي " فنتازي " لتحكي قصة رجل "عادي " تورط بدافع الفضول في رحلة استكشافية على نصل سيف يتعرض من خلال ذلك النصل لتفاصيل حياة عادية مازجا بين تلك التفاصيل وتوغل السيف في حسده بالتوازي لتنتهي تلك الرحلة / الحياة بالتمزق.

وفي قصة " حفرة ضيقة بعمق رأس رجل " يتورط بطلها في مساعدة أحد المارة في نفق مظلم وقديم ومعه حقيبة كبيرة ممتلئة تعترض الطريق فيساعده مكرها على حملها ما يلبث أن يدرك التشابه بينه وبين ذلك الرجل، ثم يتعاطف معه ،حتى يوصله إلى محطة القطار وقد حمل الحقيبة بمفرده، ثم يودعه، و لكن قبل أن يتركه ـ أي الرجل ـ يعطي له على سبيل الهدية حقيبة صغيرة كانت في جيب جانبي للحقيبة الكبيرة، وتلك الحقيبة الصغيرة سوف تكبر وتصبح حقيبة كبيرة ممتلئة، وربما يكون في جيبها الأصغر جيب آخر صغير وبه حقيبة صغيرة سوف يبحث عمن يعطيها له قبل أن يلتحق بالقطار الذي ربما يكون قطار الموت الذي سوف ينقله للحياة الأخرى، مما يجعل من تسليم الحقيبة الصغيرة أمرا واجبا وحتميا لاستمرار الحياة.

ولا يكتفي الكاتب بأن يجعل أبطال قصصه يدورون في تلك الدائرة الشقائية بل يريد أن يشارك قارؤه أبطاله في ذلك العناء الأبدي، ففي قصة " بعد أن يرتد إليك طرفك " آخر قصص المجموعة يعثر بطل القصة على " مصباح علاء الدين " الذي وقف كل أحلامه عليه منذ طفولته وعلى حد تعبيره " منذ سراويلي المبتلة " في إشارة منه لعنوان القسم الأول من المجموعة " سراويل قصيرة " فيحك المصباح بوهن فيظهر له الجني وبعد أن يبحث عن حلم من أحلامه القديمة التي كان قد دفنها حتى حين فلا يجدها فينبهه الجني بان من حقه " مطلب واحد فقط " فبدون تفكير يطلب أحلامه القديمة،لنعيد ـ نحن القراء ـ قراءة المجموعة لنبحث عن تلك الأحلام القديمة ثم ندفنها حتى حين ليظهر لنا الجني وينبهنا " مطلب واحد فقط " فلا نجدها فنطلبها مرة أخرى وندفنها مرة أخرى......
ونظل في تلك الدائرة ـ التي نحن فيها بالضرورة ـ إلى الأبد.

الأحد، 13 مايو، 2007

مقطع من رواية وقوف متكرر
لا تذكر من أيام شبرا الخيمة سوى القطار، والمؤسسة، وصوت مصانع النسيج في مرورك اليومي إلى المدرسة، والبنت منى أحمد التي ظللت تحبها حتى نهاية الخامس الابتدائي، تتبادلان النظر والابتسام طوال الحصص، والتي خاصمتك لأنك وشيت بها عند مدرس الرسم؛ لأنها لم تحضر ألوانها، ولم تقف لتضرب مع كل من لم يحضر ألوانه، فظلت تبكي طوال اليوم عندما ضاعف لها الضرب (8 عصيان)، وسامح كل الباقين وأنت منهم
تذكر أيضا سعيد مغرفة، والذي أسماه الأستاذ سليمان الورداني بذلك لأن له أذنا عادية، وأذنا مفلطحة تشبه المغرفة
كان يسكن في الشرقاوية على الجانب الآخر من الطريق السريع، بعد كشك الشرطة العسكرية، تطل شقته على مصنع ياسين للزجاج
في هذه الفترة كان بيت جدتك في روض الفرج، ترسلك لتشتري لها أكوابًا للشاي، فتقول
قل له عايز من بتوع مصنع ياسين.. إوعى يضحك عليك ويديك من الكوبايات اللي معمولة تحت السلم
قال لك
قابلني في المؤسسة بعد العصر قصاد كشري أبو سنة.. ونروح عندنا نذاكر سوا
شقته ضيقة جدا، ورثة، وغير مرتبة، فشعرت به مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي يجاورك في الدكة، والذي تتكلم معه كل يوم عن منى أحمد
خرجت أمه عليكما وكانت نائمة بشعر منكوش وقميص نوم فاضح، ارتبكت وقلت له
تعال نقعد في البلكونة
تركتما المذاكرة، وأحضر السلم والثعبان فلعبتما، كان المبني المواجه ضخما وقريبا إلى حد ما، قال عندما لاحظ كثرة التفاتك إليه
ده مصنع ياسين
لم تصدق أن تراه هكذا مرة واحدة
بتاع الكوبايات؟
آه بتاع الكوبايات.. والزهريات.. وطفايات السجاير.. والشفاشق الإزاز.. أنا أبويا بيشتغل فيه
لم تصدق، وظلت تكذبه حتى أحضر لك أمه، وقد ربطت رأسها، وارتدت جلبابًا مكرمشًا وممزقًا من تحت الإبط، أشارت إلى مصنع ياسين فبان شعر كثيف، وأكدت أن أبا سعيد يعمل فيه
عادت صورة سعيد تكبر في نظرك، مع أنك كنت أشطر منه في المذاكرة، وشقتكم واسعة، ومرتبة، ونظيفة، بالإضافة إلى أنك غلبته أربعة أدوار سلم وثعبان

الأربعاء، 9 مايو، 2007



مقال في جريدة المستقبل اللبنانية عن رواية وقوف متكرر
الاحد 6 أيار(مايو) 2007 - العدد 2606 - نوافذ - صفحة 13
وقوف متكرر.. لمحمد صلاح العزب
جغرافيا التداعي السحري لمدينة تكتب نصّها الأول
هاني درويش



تستدعي كتابة جيل الألفية الثالثة جغرافيا منسية لقاهرة سنوات التسعينات الأولى، جغرافيا كانت ستظل دون هذه الجرأة الاستثنائية ـ التي تميز رواية محمد صلاح العزب الأخيرة "وقوف متكرر" الصادرة عن دار ميريت للنشر ـ بعيدة عن التأريخ الزماني المكاني. فمن دون عمد تخصّص جيل التسعينيات الروائي في التأسي الرومانتيكي على حالة التمدد الديموغرافي لقاهرة السبعينات، التي دفعت عوالم طبقية واجتماعية إلى الانحدار البطيء من أحياء شعبية كلاسيكية إلى أحياء طرفية شكلت البنية الجديدة للعشوائيات الكلاسيكية زمن الثمانينات، أو إستعادة سحر التأرجح من جهة أخرى بين المدينة والريف.
مثلاً يؤرخ ياسر عبد اللطيف في روايته "قانون الوراثة" لهجرة من حي عابدين ـ وسط العاصمة ـ إلى ضاحية المعادي دون إهتزازات طبقية عنيفة، فيما ينشغل مثلاً عدد لابأس به من هذا الجيل بتأريخ الجيل الثاني لمهاجري أسر الستينات الشهيرة؛ لدينا منصورة عز الدين تتأرجح في إغتراب بنت القرى في إكتشافها المدينة تحت أعباء الوراثة العالية الثقيلة لأسرة ريفية برجوازية قديمة، ويؤرخ أبراهيم فرغلي لمدينة وسيطة في مدن الدلتا الغنية، فيما يستمر متحف اكتشاف الجذور مفتوحا على مصراعيه في أعمال خالد إسماعيل وأحمد والي، بمعنى آخر لبثت القاهرة في نسخها المتحولة بدءاً من التسعينات خاصا في أحياء الطبقة العاملة التقليدية (حلوان ـ شبرا الخيمة) بعيدة عن مرمى الرواية الجديدة، بعيداً عن رصد تلك التحولات العنيفة لانهيار دراماتيكي أصاب أجيال جديدة تنتمي لحراك طبقي نازل من جلجة التركة الضخمة لانهيار القطاع العام الحكومي، حيث تنازلت الدولة في إطار تكيفها الهيكلي مع متطلبات السوق والانفتاح عما تبقي لها من نموذج دولة الرفاه الستينية؛ ويأتي عمل "وقوف متكرر" ليقدم عالم هذا الحراك النازل ممثلاً في أسرة بسيطة تتجول عبر عين الراوي، الشاب المراهق، بين نموذجين للتمدد الديموغرافي للقاهرة، بين حي شبرا الخيمة العمالي ذي التركيبة المنتمية لقاع الطبقة العاملة، وحي مدينة السلام الصحراوي الذي صممته الدولة على هيئة مساكن شعبية فقيرة في أقصى صحراء شرق القاهرة لاستيعاب تدهور البنى التحتية في أحياء الطبقة العاملة القديمة، من الجحيم إلى الصحراء الكوزموشعبية، من هدأة نمط القيم المستقرة إلى وحشة إكتشاف الخليط المنهار الذي يتداعي في صحراء معزولة، و تقاطعات تلك الانتقالات تجد ذروتها الأولى في محاولة الراوي المراهق الانفصال عن منزل العائلة عائداً للسكن في حجرة كئيبة بالحي القديم، هذا الخيار كان يراهن مثلاً على إبتعاد حقيقي حين بدأ الشاب جولة بحثه من قلب وسط البلد، لكن تواضع قدراته المالية يعيده إلى نقطة الإنطلاق الأولي (منطقة أحمد بدوي الشعبية بحيه القديم، حي شبرا)، منذ اللحظة الأولى يدخلنا العزب في أزمة شاب مراهق يبحث عن مكان خاص يصلح لتحويل فنتازياه الايروتيكية إلى واقع ولو للحظات مع إمرأة تعاني من إحباط الزواج الفقير، هذا التأرجح بين جغرافيا الحي القديم خروجاً، والحي الجديد إغتراباً والعودة إلى الحي القديم هروباً، هو ركن الزاوية المكانية التي يصبح الوقوف المتكرر عبرها وقوفاً إلزامياً، دوران في فراغ تؤسطره محاولة البطل التمرد على هذه الجغرافيا بشراء سيارة فيات 128 خربة، علّها تساعده في تمرده على سياقه الاجتماعي. سيارة ربما تصلح للحظات مختلسة من المتعة البورنوغرافية مع داعرات يمارسن أعمالهن في شوارع مدينة نصر ـ الحي الراقي غير البعيد جغرافياً، وتبدو ضفاف السرد محكومة بتلك الإقامة الجديدة ووسيلة الارتحال الخربة، كلما حاول البطل الابتعاد بسيارته التي إشترك مع صديق له فيها، بعد مشاريع كثيرة مجهضة يعيده مرض والده أو العلاقة العاطفية الطفولية مع إبنة خالته إلى مساكن النهضة، يحاول هو التنصل دائما من تلك الإرتباطات القديمة مفضلا البحث عن مصير جديد دون أي مقدّرات اقتصادية أو اجتماعية تخرجه من مسار الارتباط العالي، حيث العائلة تهوي في قيعان الحكمة المصرية التقليدية بالصبر على البلاء حتى الموت المجاني، تاريخ هذا المنحى الاستقلالي الطائش يتوازى مع الانهيار الأخير لوالد البطل وهو يصارع موتاً مؤكداً، هذا الأب المتعاطف مع تمردات ابنه يبدو وحده الدعامة الرئيسية لهذا العالم الجديد، بتواطئه الشفيف وتشجيعه الصامت علّه ينقذ ابنه من تكرار المصير السيزيفي. الابن يتشكل مسار تجواله الهذياني من شذرات قاع المدينة، مدينة جديدة لم تقدم من قبل، سمسار يمارس سطوة غير مبررة على الشابين الباحثين عن غرفة، يتحولان تحت وطأة البحث عن الغرفة إلى تابعين منومين ينفذان مشيئته، صاحبة الغرفة بذيئة اللسان والمغوية بتهتك عنيف، ميكانيكي السيارة الذي يعيش في حكاية طويلة عن غزواته الجنسية المتخيلة لبنات الطبقة العليا، فيما البطل بين نصف مصدّق ومتمنٍّ لصدقية الحكاية علها في لحظة تكون حكايته الحقيقية، داعرتان من حطام المدينة إحداهما طالبة جامعية تمارس الدعارة بزي وكشكول المحاضرات المضموم للصدر، بشرط الحفاظ على غشاء بكارة يبقى وسيلتها الوحيدة للتفاوض مع عريس مستقبلي مشته، والأخرى تستعير أداءها من أفلام السبعينات، أكثر حرفية وقد قطعت المشوار إلى آخره. إمرأة المترو التي خاض البطل معها نضالات واسعة لمجرد أن يصطحبها إلى غرفته أخيرا، دراما عنيفة لتسكع طويل بحثاً عن العمل وأحلام خائبة بإمكانية الثراء فجأة، إنها مرثية طويلة لجيوش عاطلة ستراها تهيم على وجوهها في فضاء وسط العاصمة أو على مقاه الأحياء الشعبية، يمارسون ذلك النضال المحموم اليومي للتعلق بقشة الحياة، محاولات محمومة للنجاة من مصير محتوم هو السقوط في فراغ طاحونة المدينة التي لا ترحم؛ مسيرة البطل أقرب لتلك المسيرات التي توشك في كل لحظة على السقوط، لكنها تستمر فقط بمصادفة لا تخضع لأي قانون. كان الراوي إذًا أقرب إلى إستكمال هذا التيه لكنه استطاع إحكام تأطيره لهذا الفاصل القصير في حياة البطل حين دفع بقدره إلى لحظة مفصلية تتقاطع فيها الأحلام مع الواقع؛ إقترابه أخيراً من تجربة جنسية حقيقية، تنهيها بغرابة زيارة خطيبة المستقبل وموت الأب يعيدانه لحمل صخرة الحبل السري.
مشاهد خفيفة من تتابع إجراءات الوفاة يحولها الراوي إلى متتالية ساخرة من المفارقات. غزله للممرضة ومعركة امه مع جارة قديمة كانت تغار منها وقد إلتصقت بركب الأسرة في المستشفى إثر إحتجازها لعمل عملية البواسير، تفاصيل نقل جثة الأب وقد أصاب الأبن لمسة من الطيران فوق تداعي عالمه، تنهار قصة السيارة بعد أن يبلغه صديقه بنيته في إتمام خطوبة مفاجئة ومن ثم ضرورة فض الشراكة في العربة، جلسته في العزاء وهو يراقب في نهاية الرواية طفل يدلي لعبة مربوطة بخيط من بلكونة مواجهة، وكأن جلسته تلك ستدوم إلى الأبد. نهاية تشبه إلى حد كبير لقطة الختام البديعة لفيلم "الوعد" لشون بين، حيث يجلس جاك نيكلسون يهذي فوق أرجوحة طفلة منتظرا قدوم الشبح الذي طارده طوال الفيلم.
محمد صلاح العزب في عمله القصير البديع ـ (79 صفحة) ـ يقدم صفحة جديدة في سرد مدينة وعالم القاهرة التي ربما لا زال الحديث عنها حكراً على تحقيقات صحافية أو أبحاث إجتماعية. قاهرة مجهولة وبعيدة تحتاج إلى جيل كتابي جديد، والعزب سيكون بعمله ذلك مكتشفها الأول

الخميس، 3 مايو، 2007

من مجموعتي الأولى.. لونه أزرق بطريقة محزنة


إضاءة مبهرة


يجلسني على كرسي دائري صغير بدون مسند.
بظهره يرجع خطوتين واسعتين، يتأملني، يتقدم إليّ، بكلتا يديه يدير جسمي المستسلم له إلى جهة، ووجهي إلى الجهة الأخرى مواجهًا بؤبؤ العدسة تمامًا.
تعثرت في الخارج بحجر كبير، اتسخ كم قميصي الأبيض.
يضع إصبعين لزجين تحت ذقني، يرفع وجهي ببرود.
أول واحد من الفصل سيحمل بطاقة بعدي، أمامه شهر كامل. سينبهرون بشدة عندما يقف النسر الأزرق لا مباليًا في مواجهتهم فوق الأوراق الصفراء.
دون أن يلحظني، أحرص على وضع يدي الأخرى فوق كمي المتسخ.
قبّلني أبي وهو يضحك:
"يللا يا عم هيحسبوك نفر ع الدولة".
بنفسه، كوَى لي القميص الأبيض، أعطاني ربطة عنقه الزرقاء الجديدة، مُصرًا على أن ألمع الحذاء الذي لن يظهر– بالطبع – في الصورة.
"أصل البطاقة دي هتفضل معاك لحد ما تتجوز، ولما تكون الجزمة بتلمع.. تلاقي وشك يطلع منور في الصورة".
ضحكت أمي وأختي، وهو يأتي لينزل يدي من فوق الأخرى، مبتسمًا ابتسامة بلاستيكية.
قالت أختي وهي تربط لي رقبتي:
"خدلك لحسه م الكريم بتاعي.. وسرح شعرك لفوق".
صاحت أمي:
"لأ.. لفوق إيه.. بلاش خيبة، دي صور البطاقة.. افرقه من ع الجنب أحسن".
يعود إليّ مرة أخرى، أخفى أبي فرحته خلف حافة الجريدة التي يمسك بها، يعيد جسمي إلى وضعه الأول المعوج بزاويته المرهقة، رقبتي تؤلمني.
"يا أخي اعدل نفسك بقى.. ما تقرفنيش".
"فرح" لم تهتم كثيرًا بكل هذا – ربما لأنها لم ترَ البطاقة بعينيها – لكنها ألحت علي أن أعطيها صورة بمجرد أن أتسلم الصور، وأن أكتب على ظهرها إهداء؛ حتى تفرجها لصاحباتها.
ينحني خلف الكاميرا، يده تعبث في مفاتيح الإضاءة، عينه الظاهرة مغمضة.
البنت الجالسة على المكتب في الخارج، تحولت إلى ابتسامة طازجة، عندما قلت لها:
"صور بطاقة لو سمحتي".
بعينه التي لا تزال مغمضة يزعق:
"يللا.. ابتسامة خفيفة".
أحاول أن أركِّب لوجهي أي ابتسامة.. أفشل.
"البطاقة دي هتفضل معاك لحد ما تتجوز".
أجرب فتح فمي في أوضاع بلهاء.
كل صاحبات "فرح" سيتفرجن على الصورة التي أصرت أن أكتب لها "حبيبتي" على ظهرها.
أشعر أنني أعرق. سيظهر العرق على جبهتي كمستنقع أخضر في وسط الصورة.
"ظبط نفسك.. هاعد لحد تلاته وأصور".
الكمّ المتسخ.
"واحد".
البنت التي تحولت إلى ابتسامة.
"اتنين"
سيحسبونني "نفرًا" دميمًا على الدولة.
"اتنين ونص.. جاهز؟"
لست جاهزًا.. سأقف.. سا
"تلاته".