الثلاثاء، 12 أكتوبر، 2010

سيدي براني.. حكاية الجد الذي يعيش في كل الأزمنة

وليد فكري - بص وطل

"محمد صلاح العزب" يطرق عالم اللامعقول من خلال روايته "سيدي براني"

قصة تبدأ برجل عجوز يموت ويُدفَن، ثم يصحو أهل قريته فيجدون ثيابه التي دُفِنَ فيها ملقاة فوق سطح القبر.. ثم نعلم أن هذا الرجل كانت بداية قصته أنه وُجِدَ على ضفة النهر طفلاً في الرابعة من عمره له لحية وشارب، ويمكنه أن يعاشر النساء!نفس الرجل الذي تعرف عنه -من بداية الرواية- أنه عاش ومات أكثر من مرة, وأن له أكثر من شخصية وأكثر من حياة في أكثر من مكان!إنها الطريقة التي قرر "محمد صلاح العزب" أن يطرق بها عالم اللامعقول من خلال روايته الرائعة "سيدي براني" التي تحرّر فيها من قوانين الطبيعة وسلَّم نفسه -وقلمه- لتيار الخيال الجارف، ومع منافاته الصارخة للمنطق أخرج عملاً ممتعاً كتلك الرواية.

لغز الجد العجيب الذي عاش أكثر من مرة!

راوي الأحداث شاب عاش حياة غير عادية في بلدة "سيدي براني" الواقعة أقصى شمال غرب مصر قُرب الحدود مع ليبيا, عاش في محيط ضيّق من الناس.. "سمعان" العجوز الذي جاء في شبابه من أقصى الجنوب بحثاً عن الرزق, الخالة "طيبة" البدوية العجوز التي رعت الراوي كأم منذ كان رضيعاً, والجَد الوليّ الأسطوري الذي أصبح "سمعان" مريده المطيع وخادمه المخلص, والذي كفل حفيده ورعاه وحمّله بالحكايات والألغاز؛ حتى قرر أن يرويها لـ"مريم", وهي فتاة وافدة من المدينة ملكت عليه قلبه؛ حتى قرر أن يبوح لها بالمكنون في صدره من حكايات الجد العجيب.والجد ليس وحده من يحمل الحكايات؛ فلكل شخص ممن يحيطون بالراوي حكايته الخاصة, التي ترتبط بشكل أو بآخر بحكاية الجد ورحلته الفريدة من نوعها.. والفتى لا يملّ التنقيب في صدور من حوله عن المزيد من الحكايات المذهلة له وللقارئ.شوارع باريس، ملاهي الليل في القاهرة، الصحراء الغربية الشاسعة، جزر الهند، وأماكن أخرى أسطورية لا نجدها إلا في عوالم ألف ليلة وليلة؛ حيث السحر هو العلم والأسطورة هي المنطق.. هذه هي الأماكن التي تحملنا إليها تلك الرواية؛ حيث عاش الجد في كل مكان منها إحدى حيواته المثيرة؛ منها ما سبق انتقاله بينها موتاً تبعته بعثة له من قبره لحياة جديدة, ومنها ما كان انتقاله إليها مجرد هجرة مكانية.. ولكن العامل المشترك بين تلك "الهجرات" كان أنه يحمل في كل منها شخصية مختلفة.والجدّ نفسه لغز كبير؛ فهو تارة صبي لقيط غامض, ومرة ثانية حاكم لجزيرة كل سكانها من النساء, وهو أحياناً جيولوجي باحث عن البترول, ثم زعيماً مُدّعياً للنبوة, وأخرى شيخاً وليّاً صاحب بركات.. وهو مع كل ذلك أب وجد لعدد ضخم من الأبناء والأحفاد, يحرص على تلقّي كل منهم على يديه عند الميلاد, ثم يهمس له في أذنه بما يعرف عنه من المكتوب.. أما عن سرّ عمره الطويل الممتد وحيواته المقسمة بفواصل من الموت المؤقت؛ فهو يبقى ممتداً حتى آخر سطور الرواية.. وطوال كل حيواته لم يعرف أحد اسمه حتى أقرب الناس إليه؛ فهو -على حد قول "سمعان"- لو باح باسمه يموت.. وكذلك لو أفصح عن سره.وتبقينا الرواية في حيرة من أمر الجد, هل هو وليّ، ملاك ساقط، شيطان تائب؟ هل هو كائن لم تُحدّثنا عنه الكتب القديمة؟

الفضول البشري والولع بغير المألوف

"محمد صلاح العزب" لعب ببراعة على أوتار الفضول البشري والولع الطبيعي بغير المألوف، وبالخروج على قوانين الحياة الرتيبة, ومزج في عمله بين مختلف المفردات لمختلف الأماكن والأزمنة؛ ليُخرج مزيجاً متناسقاً ويصنع بنفسه عالماً متميزاً من حيث الزمان والمكان والأشخاص. كما أنه قام ببراعة بربط خيوط العلاقات بين الشخصيات في مختلف القصص المرتبطة بالجد وبها, وصاغ كل شخصية منها -سواء أساسية أو جانبية- بدقة شديدة جعلت لكل منها أبعاداً ملموسة وحضوراً محسوساً دون أن نشعر أن منها ما هو باهت الوجود أو مبالغاً في بروزه لسطح الأحداث. وكل ذلك يدلّ على حِرَفيّة وبراعة شديدة من "العزب", ذكّرَتني بمثيلتها عند الأستاذ جمال الغيطاني الذي برع في تقديم هذا النوع من أدب العوالم السحرية.وبالإضافة لذلك؛ فإن الكاتب لم يهتمّ أو يسعى لتقديم الإجابات لكل التساؤلات التي تثيرها الرواية؛ بل كان حرصه الأكبر على تغذية تلك التساؤلات واستفزاز ذهن القارئ لفكّ ألغاز الأحداث والأشخاص؛ بحيث إن كل من يقرأ العمل سيرى الأمور ويفسّرها بطريقة تختلف عن الآخر, وهي مهارة وموهبة تستحق الإعجاب."سيدي براني" عملٌ يستحق أن يُقال عنه إنه إضافة للأدب العربي الحديث, وللمكتبة العربية, وأعتقد جدياً -ودون مجاملة أو مبالغة- أن هذه الرواية تقول إن علينا أن نتوقع سماع اسم "محمد صلاح العزب" بشكل أكثر قوة، مستقبلاً إن شاء الله؛ خصوصاً في مجال فنّ صياغة العوالم السحرية والأحداث الأسطورية.

الأحد، 10 أكتوبر، 2010

البرومو 2 لرواية سيدي براني

video

البرومو 1 لرواية سيدي براني

video

محمد صلاح العزب: الحكاية جوهر الحياة

حوار : أحمد ناجي - أخبار الأدب


قبل أن نبدأ الحوار يصارحني محمد صلاح العزب محذراً "أنا لا أجيد الحديث عن أعمالي، عموماً أنا أتقن الكتابة لكني لا أجيد الحكي الشفاهي" ربما يكون هذا هو السبب الذي دفع العزب إلي السعي لتجريب استخدام أسلوب الحكي الشفاهي في كتابة روايته الجديدة التي صدرت مؤخراً عن دار الشروق بعنوان "سيدي براني".
في "سيدي براني" يخرج العزب من ثوبه القديم محاولاً تقديم عمل جديد مختلف علي كل المستويات عن كل أعماله السابقة. فالعزب الذي دارت معظم رواياته السابقة في أجواء المدينة وشوارعها يختار هذه المرة منطقة صحراوية نائية علي أطراف الحدود المصرية "سيدي براني" مسرحاً لأحداث رواياته. وحتي أسلوب السرد يأتي هذه المرة مازجاً بين الحكي الشفاهي حيث الحفيد يقابل مريم علي شاطئ سيدي براني ليبدأ في سرد حكايته وحكاية الجد وناس سيدي براني.


-ربما تكون هذه هي المرة الأولي التي تأتي "سيدي براني" كمكان لرواية مصرية، كيف وقع اختيارك علي هذا المكان؟


-هناك قصة شخصية تربطني بسيدي براني، فحينما كنت صغيراً انفصل جدي عن جدتي وغادر القاهرة فجأة مقرراً الحياة في سيدي براني. رغم ذلك حافظنا علي العلاقات الأسرية معه وكان والدي يزوره بانتظام، وحينما كان عمري 8 سنوات تقريباً قرر أبي أن القاهرة أصبحت مدينة مزدحمة، ملوثة، والحياة فيها مزعجة. بعنا شقتنا وكل ما يربطنا بالقاهرة وسافرنا للحياة في سيدي براني. كانت الحياة هناك قاسية وصعبة جداً خصوصاً بالنسبة لأطفال صغار السن فلم يكن هناك أي وسيلة من وسائل الترفيه، لا تلفزيون أو راديو. بعد ثلاثة أشهر عدنا مرة ثانية إلي القاهرة بينما ظل الجد هناك. لكن التجربة ظلت محفورة في ذهني كأنها حلم قديم.
كنت مشغولاً بالسبب الذي دفع جدي للانتقال إلي هناك وقضاء 30 سنة من عمره في الصحراء حيث عمل كمسئول توريد الطعام والشراب لوحدة عسكرية، كنت دائماً مندهشاً كيف يضيّع إنسان كل هذه السنوات من حياته وكأن لديه حيوات أخري.
منذ حوالي سبع سنوات بدأت في كتابة بعض تفاصيل تلك التجربة، ثم منذ حوالي عامين انغمست في العمل بالرواية لتظهر بشكلها النهائي بعد ثلاث روايات بالرغم من أنها كانت روايتي الأولي.
>>>
في مقطع من الرواية يقول الحفيد"سمعته دون أن يدخل الصوت أذني، وكلمته دون أن أفتح فمي، قال: احك، قلت: ماذا أحك؟ قال: احك، قلت: أيّ حكاية؟ قال: احك، قلت: الحكاية مثل شبكة صياد يحب الجميع السقوط فيها، من يملك حكايات أكثر يملك عدداً أكبر من المُنصتين، ومن يملك حكاية ساحرة يعود إليه من يحبهم مهما ابتعدوا عنه"
يعبّر الجزء السابق عن واحدة من الأفكار الرئيسية التي تطرحها الرواية حيث الحكي هو الفعل الأسمي والأهمّ، فطوال الرواية يتحاشي العزب طرح أي أفكار، ويترك الحكاية تجرّ القارئ بخيوطها. يبدي العزب امتعاضه من الروايات القائمة علي الأفكار قائلاً: "أنا لا أحب الروايات القائمة علي الأفكار التي هي أشبه بالمقال، وأعتقد أن قدرة الروائي وجوهر عمله الفني هو التعامل مع الحدوتة وتحويلها إلي رواية ذات بناء فني."
- هذا الإيمان المطلق بقدرة الحكي.. ألا يحول الرواية إلي حدوتة شفاهية، ما الفرق في هذه الحالة بين الرواية كنوع فني ظهر مع الحداثة ويُقدّم كوعاء حامل للأفكار، والحدوتة باعتبارها قصة للتسلية؟



-الفرق بين الرواية والحدوتة الشفاهية في المضمون وفي البناء، الحكي الشفهي من الممكن أن يكون فقط لمجرد التسلية، الرواية أعمق والبناء مختلف، الرواية في النهاية هي فن المعمار والبناء. هذا لا يقلل أيضاً من قيمة الحكي الشفاهي.
في "سيدي براني" حاولت أن أمزج بين الإثنين من خلال استخدام تقنيات الحكي الشفاهي في سياق البناء الروائي، وذلك من خلال الانتقال السريع بين الضمائر، فالرواي أحياناً يبدو كأنه يخاطب نفسه، ثم ينتقل السرد إلي ضمير المخاطب. هذا الأمر في رأيي يكسب الرواية إيقاعاً أكثر تماسكاً، ويضع القارئ في قلب الحدث.
أحد الأسئلة أيضاً التي حاولت طرحها من خلال "سيدي براني" هو: هل نعيش لكي نحكي، أم نحكي لكي نعيش؟ أحياناً ندخل الكثير من التجارب والمغامرات لكي نصل للنهاية، لتصبح لدينا قصة مكتملة تصلح لأن نحكيها علي أصدقائنا. الحكي يمثّل جوهر الحياة، لو لم يوجد الحكي كانت الحياة ستصبح مبتورة.
>>>
يعيش الجد أكثر من حياة، وفي كل مرة يموت تطفو ملابسه علي سطح الأرض ولا يجدون جثته فيقيمون له مقاماً، يقوم الجد ويذهب إلي أرض جديدة ومغامراته دائماً تحفل بالكثير من التجارب الجنسية، وبالرغم من كثرة هذه المشاهد في الرواية يبدو الجنس مبتوراً أو مقدّماً علي استحياء، الأمر الذي يجعلنا لا نميز الفارق بين الجنس الذي يمارسه علي جزيرته المليئة بالنساء والجنس الذي يمارسه مع حبيبته؟



-لا أحب استخدام الألفاظ المباشرة أو الصريحة في وصف الجنس، ورغم ذلك تتعرض رواياتي للكثير من الهجوم بسبب أن البعض يراها روايات جنسية أو بذيئة. لست ضد استخدام الألفاظ الصريحة، لكني لا أحب استخدامها، ولا أحتاج لها.


-أحد الانتقادات التي توجه لأعمالك أنها تنطلق من وجهة نظر شديدة الذكورية، عدد كبير من الشخصيات النسائية في الرواية تظهر بصفتها فقط مفعولاً بها، بمجرد مضاجعة الجد لهن تعود النساء لشبابهن.. ما رأيك؟


-أتعامل مع الجنس من جانبي أنا، أو من وجهة نظر الشخصية التي أروي علي لسانها أو عنها، وأبطال معظم شخصيات ذكور لذلك طبيعي أن يأتي وصف الجنس في الروايات ذكورياً. وأنا كنت لا أظن أن هذه سمة أساسية في أعمالي، في "وقوف متكرر" مثلاً كل العلاقات فاشلة، في "سرير الرجل الإيطالي" مقابل فحولة الرجل الإيطالي..هناك الشاب العاجز عن التحقق جنسياً. أما في "سيدي براني" فستجد أن معظم الشخصيات النسائية شخصيات فاعلة، بداية من مريم التي تستطيع أن تسافر وحيدة وتنفصل عن سطوة الأب والأم والخالة، وحتي غزالة التي رغم كل المصائب التي تصيبها تحافظ علي تماسكها، وهي شخصية فاعلة في كل الأحداث.
>>>
-لماذا تتفادي في كل أعمالك ذكر أي خلفية سياسية أو طرح أيدلوجي؟


-أعتقد أن كل الروايات سياسية، لكن لا يوجد داع أن أضع أسماء بعض المسئولين أو مقاطع من الأخبار والجرائد كما يفعل البعض.
في الرواية أنا أكتب وجهة نظر شخصيات الرواية، ومعظم شخصيات رواياتي ليسوا سياسيين، بل مواطنون عاديون يتعاملون مع السياسة وتؤثر في حياتهم، وما يهمني هو أثر السياسي علي مجريات حياتهم وأفكارهم.
-كنت من أبرز الأسماء التي تم تقديمها بصفتها تمثل الرواية الجديدة أو جيل الألفية، لكن الآن تخرج بعض التصريحات من روائيين كبار تحذر من قرب موت الرواية الجديدة، والبعض يري أنها مجرد ظاهرة عابرة، بل روائي آخر كبير دعي الكتاب الشباب إلي التخلي عن هذا النوع من الكتابة لأنها غير مفيدة للأدب.. ما رأيك؟


-طوال الوقت كنت أسخر من هذا المصطلح، إذا كانت هذه هي الرواية الجديدة، فبعد خمس سنوات ما الذي سيحدث؟ أعتقد أن فكرة تقسيم الأجيال وابتكار مصطلح الرواية الجديدة هو نوع من الاستسهال من جانب بعض النقاد والصحفيين. فالكتابة عمل فردي، ولا يمكن تقسيمها بأجيال تتغير كل عشر سنوات.
لكن في نفس الوقت أعتقد أن الروايات التي ظهرت بعد الألفية لها سمات مختلفة بحكم ظهور تقنيات جديدة بما فيها كتابات جيل الستينيات والتسعينيات. إبراهيم أصلان أو محمد المخزنجي مثلاً في رأيي يكتبون رواية جديدة.

السبت، 9 أكتوبر، 2010


محمد صلاح العزب: أكتب بسرعة قبل أن ينتبه النقاد ويصوبوا بنادقهم ضدي

حوار: عناية جابر - جريدة السفير اللبنانية

محمد صلاح العزب روائي مصري (1981) له مجموعات قصصية منها:« لونه أزرق بطريقة محزنة» و« سرداب طويل يجبرك سقفهُ على الانحناء» الى روايات قوبلت بترحيب نقدي منها: «سرير الرجل الإيطالي» و« وقوف متكرّر» بالإضافة الى كتاب ينتمي الى الأدب الساخر: «كرسي قلاّب». نال العزب جوائز أدبية عدّة. جديده الروائي عن دار»الشروق» جاء تحت عنوان: «سيدي برّاني» يطرق فيه العزب عالماً روائياً جديداً على عمله السابق، حيث يمتزج هنا الواقع بالأسطورة، والتاريخ بالفانتازيا، والمدينة بالصحراء. عن جديده كان هذا الحديث.

** في جديدك الروائي: "سيدي برّاني" نلحظ افتراقاً عما تعودّنا قراءته لك، عوالم سحرية تشبه ألف ليلة وليلة والحكايات التراثية الموجودة لدى معظم الشعوب، ما الذي أخذك اليها؟

- حاولت أن أمارس اللعب مع ألف ليلة وليلة، مازالت هذه العوالم المغرقة في الخيال الجميل صالحة لإثارة الدهشة، بدأت هذا الخط الفانتازي في سرير الرجل الإيطالي ثم مددت الكتابة على استقامتها بهذه الطريقة في هذه الرواية، وللحق أنا مدين بكل هذه الزخم لجدي العزب وتحديدا لحظة وفاته، فقد اختار - هو الذي ولد وتربى وتزوج وأنجب في القاهرة - أن يعيش ثلث حياته في سيدي براني التي تبعد حوالي 10 ساعات عن العاصمة التي لم يكن يعرف غيرها، فكرت وهو على فراش الموت لماذا فعل هذا؟ وماذا كان سيحدث لو لم يفعل؟ ولماذا يهدر 30 عاما من عمره في تجربة كهذه؟ فأوحي لي وقتها أنه عاش حيوات مديدة وأنه رغم سنه الطاعنة مازال يجرب ويلهو. كما أن أهل سيدي براني المدينة يعيشون تاريخا أسطوريا لا يستطيع أحد منهم أن يجزم بحدوثه، حكايات كثيرة عن غائبين لا يعرف أحد كيف ولا أين غابوا، وعن أشخاص ظهروا فجأة ثم اختفوا فجأة، وعن صحراء تحمل أسرارا يزعمون معرفتهم بها وهم يوقنون أن السر أكبر من أن يحملونه، وكعادة كل المدن الصغيرة الواقعة على الحدود بين بلدين يتحول الجميع إلى عابرين، فليس مؤكدا أبدا أن ترى الشخص نفسه مرة أخرى، حتى لو كان هذا الشخص أقرب أقربائك.

** في إصداراتك الروائية السابقة مثل: "سرير الرجل الإيطالي" و "وقوف متكرّر" هناك الوحدة في التأليف الروائي رغم سرد تفاصيل يومية ومشاهد حياتية. في "سيدي برّاني" عالم شاسع من امتزاجات عدّة تطال أزمنة وأمكنة، كما التاريخ بالفانتازيا، والمدينة بالصحراء، إلى جانب تعدد الأصوات عبر صوت الراوي نفسه. هل هذا يعكس اختلاف رؤيتك لما يجب أن تكون عليه الرواية؟

- أشعر أني نضجت مع كتابة سيدي براني، فحين كتبت أول قصة قصيرة ونشرتها في إحدى الجرائد تخيلت أنني صرت كاتبا محترفا، وظل هذا الشعور معي بعد كتابة المجموعة الأولى والروايات الثلاث التالية، لكنني مع بداية العمل في سيدي براني أدركت أنني لم أصبح كاتبا محترفا بعد وربما لا أكونه أبدا، فأنا مازلت أتعلم وأجرب وأنجح وأخفق وتواجهني صعوبات حقيقية في الكتابة، وتستعصي علي كامرأة لا ترغب في الرجال، غادرني اليقين بأن الأمر قد انتهى، وحل مكانه شك فني في كل شيء، شعرت أنني نضجت لأنني صرت قادرا على إدراك صعوبة الأمر، وكنت قبل هذا أظن الكتابة سهلة، اختلفت رؤيتي للكتابة وللرواية من حيث عدة أشياء: البناء، واللغة، والعلاقة مع القارئ، والتعامل العنيف والسلطوي مع المسودة، والحرب المستمرة بين الكاتب ونصه حتى يسيطر أحدهما على الآخر أو يصلا إلى مرحلة سلام، أدركت الصعوبة المطلقة في نقل الحياة إلى أوراق الكتابة دون أن تفقد بريقها بل بالعكس لابد أن يتضاعف هذا البريق كثيرا. النضج الذي أصابني جعلني أتمنى ألا أصير كاتبا محترفا في يوم من الأيام، لأنه جعلني أدرك أن الشك مهما كان أجمل من اليقين.

** يستدعي هذا النوع من السرد، الكثير من الخبرة، والمكنة في القبض على اهتمام القارئ. إلى أيّ حدّ كان انتباهك في عملية سرد حياة، متبوعة بسرد عن حياة أخرى؟ وهل وجدت صعوبة في توليف السرد على سويته؟

- عمر كتابة سيدي براني 7 سنوات كاملة، كانت في البداية بنصف حجمها الحالي، ثم ما يقرب من ضعفه، حتى آلت إلى ما نشرت عليه، تعاملت معها أحيانا كلوحة تشكيلية تجريدية يمكن خلط ألوانها دون نظام، وأحيانا كقطع "بازل" على القارئ أن يعيد ترتيبها حتى يحصل على الشكل النهائي فيشعر بلذة التكوين، وأحيانا ككائن حي مكون من أعضاء لا يمكن تغيير مكان أحدها، أعدت كتابتها حوالي 13 مرة بعدد حيوات الجد، كما أنني أطلعت عددا كبيرا من أصدقائي على المسودات المختلفة وسمعت ملاحظاتهم عليها واستجبت إلى ما شعرت أنه يفيد النص منها، فإذا شعر القارئ بهذه الخبرة والمكنة فسيقول: هذا كاتب جيد، وإذا شعر بغير هذا فيمكنني وقتها أن أعطيه أسماء وتليفونات وإيميلات أصدقائي الذين قرأوا المخطوطة وهو وقتها حر في التصرف معهم.

** تقترب في روايتك مما يُدعى فن التعرية والتجريد إلى حدّ الهذيان، وفيها إرهاصاتك عن الحياة الحديثة التي لوثت براءة الحياة نفسها. إلى أيّ صوت تميل أنت ككاتب، من أصوات روايتك: الجّد أم الحفيد؟

- - أنا ابن واحدة من أكثر عواصم العالم صخبا وزحاما وتلوثا وضوضاء، لم أغادر القاهرة في حياتي كلها لأكثر من سبعة أو ثمانية أشهر متفرقة، وأحبها كما هي، ويمكنني رصد جمالياتها وسط هذا الزحام والصخب، بل إنني أشعر بجماليات هذا الصخب نفسه، بخلاف المبدعين الوافدين عليها الذين يتفننون في سب المباني العالية ونعتها بأنها كتل أسمنتية لا روح فيها ولا جمال، القاهرة بالنسبة لي سحر خالص، وليس مطلوبا من السحر إلا أن يكون مؤثرا ونافذا وناجعا، وهي تفعل هذا بمهارة سياسي محنك وبنعومة فتاة في العشرينيات من عمرها، كل التغيرات التي تحدث في المدينة الخالدة فنية وموحية، مهما رآها الناظر من بعيد مجافية للجمال، كل ما هنا فني، البشر الذين يقفون على الحافة بين الصمود والانهيار، والمباني التي يحمل كل حجر منها بداخله قصة بديعة، الشوارع والميادين، حتى الهواء الذي يحمل من عوادم السيارات أكثر مما يحمل من الأكسجين، الأجيال الأكبر مني يتحسرون على ماضي المدينة التي كانت جميلة ولم تعد كذلك وأشياء من هذا القبيل، لكن بالنسبة لي فأنا أرى أن دوري هو تفجير الجمال من وسط كل هذا الزحام، أنا محب وأرى أن هذا واجبي، وأمارسه بمنتهى الاستمتاع. ولو خيرت بين حياتي بهذه الصورة والحياة البدائية بما فيها من بكارة وطبيعية فلن أسارع إلى اختيار البدائية، سأفكر طويلا ولا أعرف قراري وقتها، لكل حياة جمالها الخاص وإنسانية الإنسان تكمن في قدرته على إزاحة القبح حتى يستكشف الجمال الكامن خلفه، وهذه هي النقطة المشتركة بين الجد والحفيد والتي اشتغلت عليها، فالجد في كل حيواته كان يختار ما يحب أن يكونه ويسعى إليه مهما كانت الصعوبات التي تواجهه، ويصنع حكايته بنفسه دون أن ينتظر من يصنعها له، والحفيد انتهى إلى أنه ليس أسيرا لأحد وأنه صاحب قراره ومسئول عنه وحده، احتاج هذا منه وقتا وتأملا في حكايات كثيرة متشعبة، وإلى ظهور الحب المستحيل في حياته متمثلا في مريم التي بدت كسراب جعله يشك في حقيقة وجودها، وحين أخذ قراره بأن يكون نفسه تجمعت كل الخيوط لتصنع هذه الحكاية الممتدة المكونة من طبقات كثيرة من الحكايات.

- - بعد مجموعتك القصصية الأولي (لونه أزرق بطريقة محزنة) نشرت أربعة روايات وتستعد للخامسة، هل يعني هذا أنك قد لا تعود لكتابة القصة القصيرة مرة أخري؟

- بالعكس، انتهيت تقريبا من كتابة مجموعة قصصية، لكنني لا أفكر في نشرها الآن حتى لا تٌُظلم بين روايتين، كما أنني أري أن الرواية كشكل أدبي مناسب لما أود حكايته من أحداث بامتداد زمني وشخصيات متعددة، وبدأت بالقصة القصيرة لأنني شعرت أنها كانت مناسبة لي في البداية، ثم اتجهت إلى كتابة الرواية لسبب مهم بالنسبة لي، وهو أن القصة القصيرة تقوم على فكرة تقديس اللحظة أو الموقف، لكن الرواية تتعامل مع هذه اللحظة أو الموقف بشكل عابر لتخلق عالما متكاملا، وأنا أرى أن هذا مناسب لهذا العصر الذي يرفض إلى حد كبير فكرة التقديس ويعبر سريعا فوق التفاصيل، وأرى أيضا أن هذا كان تفاعلا مشتركا بين الروائيين والعالم، وأنهم أثروا فيه فنيا وإبداعيا بقدر ما أثر هو فيهم بتغيراته المتلاحقة وظروفه الصعبة، واتجاه العالم قراءة وكتابة إلى الرواية حاليا يُكذّب ما كان يقال منذ عقد أو عقدين تقريبا من أن القصة القصيرة مناسبة أكثر لإيقاع العصر السريع، لأن القارئ يستطيع "خطف" قصة قصيرة في الأوقات القليلة المتاحة بين انشغالين، القارئ الآن لا يريد لقطة عابرة، بل يريد حياة كاملة مليئة باللقطات الواردة في سياقها دون انتزاعها منه. وعموما مازلت أكتب القصة القصيرة لكنني في انتظار ظروف مناسبة للنشر.

- ما تأثير ممارستك للعمل الصحفي علي كتابتك الإبداعية، خصوصا أن هناك فرقا كبيرا بين لغتك الصحفية في المقالات ولغتك الروائية، وكيف تنظر إلى اللغة؟

- العمل الصحفي ليس له تأثير معين علي الإبداع لا في اللغة ولا في المضمون، تأثيره فقط علي عدم وجود متسع من الوقت للقراءة والكتابة، وإذا عملت في أي وظيفة أخري سيكون لها نفس التأثير، وأحاول أن يكون بداخلي مؤشر يمكن ضبطه علي نوع الكتابة صحافة أم إبداعاً وهناك كثير من المبدعين صحفيون ناجحون. أما اللغة فأنا أرفض التعامل معها على أنها مجرد وسيلة أو موصل، وأرى أن الاهتمام باللغة من أهم الأسباب التي تفرق بين مبدع وآخر، اللغة هي اللون والطعم والرائحة، ودون لغة جميلة يخرج العمل ناقصا ومشوها ومنفرا، لكن المشكلة أن شريحة كبيرة من القراء حاليا فقدوا متعة التذوق باللغة الجميلة وصاروا يفضلون من يأخذهم من أيديهم ويوصلهم إلى الفكرة أو الموضوع، وللأسف استجاب لهم عدد كبير من الكتاب، لكن أرى أن دور الكتاب الحقيقيين هو استعادة هذه اللغة الفنية التي تميز الأدب عن نداءات الباعة الجائلين.

** كيف تكتب وهل لك طقوس معينة، على تقطّع ؟ دفعة واحدة؟ وهل تتأثر بالنقد عموماً، سلباً وإيجابا؟

- أصبحت الآن أكتب على الكومبيوتر مباشرة، كان هذا تحديا لي وصلت إليه تدريجيا، حين أقنعت نفسي أن حميمية الورق والأقلام مجرد خدعة كملايين الخدع في حياتنا ينبغي تجاوزها، لا أحب المكتب، أتجنبه وأكتب على أي منضدة، وربما وأنا مضطجع، أبدأ بالقراءة لأهيئ نفسي ثم أكتب، لا يهم أن أبدأ من البداية، ربما أبدأ من المنتصف، أو من النهاية، ثم أعيد الترتيب، أكتب النص الواحد أكثر من 10 مرات، ولو كتبته مائة مرة لاختلف في كل مرة، ودائما أشعر ان هناك أفضل من هذا، لكنني حين أقرأ ما كتبته أنفصل عنه، وأتذوقه كقارئ وليس ككاتب، وغالبا ما يمتعني، فأقول: من يشهد للكاتب؟ وحين أنقسم إلى اثنين: قارئ وكاتب، يكون رأيي كقارئ أنني كاتب لا بأس به، وأستمتع بما كتبت، وتظل لي ملاحظات فادحة على كتابتي لا يمكنني الجهر بها، لكن من الذي يملك الوصول للكمال؟
أما النقاد فغالبا لديهم اهتمامات أخرى غير متابعة ما يكتب ولهذا فأنا متأثر بموقفهم هذا وأكتب كثيرا قبل أن ينتبهوا إليّ فيصوبون بنادقهم ضدي.

الأحد، 3 أكتوبر، 2010

مقال الدكتورة شيرين أبو النجا عن سيدي براني




د. شيرين أبو النجا تكتب عن سيدي براني: محمد صلاح العزب يعيد إلى الحكاية سطوتها



نقلا عن الحياة اللندنية
محمد صلاح العزب هو أحد الكتاب الشباب وإن كان من أبرزهم، بدأ كتابته في فترة أثارت الكثير من الجدل على كافة المستويات وهى بداية الألفية الثانية، فصدر كتابه الأول وهو مجموعة قصص، عام 2003 بعنوان «لونه أزرق بطريقة محزنة»، وفي العام نفسه صدرت روايته الأولى «سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء». ثم توالت الأعمال فصدرت رواية «وقوف متكرر» (2006) ثم «سرير الرجل الإيطالي» (2007). ومع حلول عام 2010 صدرت أحدث رواياته «سيدي براني» عن دار الشروق المصرية. في انطلاقته الأولى كان العزب بالضرورة جزءاً لا يتجزأ من سياق روائي أعلن التمرد الكامل على السرديات الكبرى، وهو التمرد الذي بدأ في التسعينات مع كتاب وكاتبات من تلك الفترة، فكان التركيز على الذات بكينونتها ومسارها الشعوري وهواجسها ومفردات وعيها هو الأساس الروائي الذي تنطلق منه الكتابة. ولم يمنع ذلك دخول شذرات تطورت إلى مقتطفات من الحياة الشخصية الواقعية للكاتب، فكان النقد يوظف في تلك الأيام في شكل متكرر مصطلح السيرة الذاتية. وتحول الأمر إلى لعبة مسلية، فكلما صدر كتاب يحاول المحيط الثقافي تخمين هوية الشخصيات وتتبع مسار الأحداث. وعلى رغم مركزية الكتابة عن الذات إلا أنه بدا وكأن التخييل قد فقد مكانه ليحل الواقع محله من دون أي معالجة، وبالتالي فقدنا الخاصية الرئيسة للرواية وهى الإمتاع والمؤانسة.

مع صدور «وقوف متكرر» عام 2006 (صدرت في أربع طبعات متتالية) بدأت موجة أخرى من الكتابات، تلك التي تلتقط قصة «ملقاة على قارعة الطريق» (بتعبير الكاتب المصري منتصر القفاش في أحد مؤتمرات الرواية التي عقدت في المغرب) وتنسج منها عملاً روائياً. وحققت تلك الأعمال نجاحاً ملحوظاً في التفاتها إلى تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو متشرذمة، إلا أنها تنظم الأيام في وحدة متكاملة شكلاً متفتتة مضموناً. إنه حال الواقع المفروض علينا فرضاً. حصلت هذه الكتابات على تأييد الكثيرين واستدعت أيضاً معارضة غير معلنة، فقد بقي القارئ (الناقد) يبحث عن الإمتاع والمؤانسة حتى ظن أنهما صرعة قديمة وأن الزمن ما بعد الحداثي حرمه منهما.

مع صدور «سيدي براني» (وهو اسم مدينة على الحدود المصرية الليبية) يعود محمد صلاح العزب إلى الإمتاع في الحكي المكثف إلى أعلى درجة. وكما تقع «سيدي براني» على الحدود فإن لب النص ينطلق من المراوحة بين حدود الواقعي والأسطوري ليمزجهما معاً في بنية متكاملة تثير الدهشة. بطل الحكاية هو الجد الذي يعيش ثلاثة عشرة حياة، في كل مرة يموت ثم يعاود الظهور في شخصية أخرى في سياق مكاني مختلف ليتحول إلى شيخ متصوف في آخر حياة له في «سيدي براني».

أما الراوي فهو حفيد الجد، الذي نشأ في «سيدي براني» وعاش فيها حتى سافر إلى القاهرة بحثاً عن مريم التي التقاها في «سيدي براني». تنقسم الرواية إلى ثمانية فصول، يصدر الكاتب كل فصل منها بقول يبدو كأنه من أقوال الجد. إلا أن الحيلة المختفية هي أن تلك الأقوال تبدو وكأنها جملة واحدة مقسمة على الرواية. فيكون الجزء الأول، «وما دمت قد دخلت فلن تخرج حتى تشق قلبك بسكين كبير من الداخل شقاً يتسع لخروجك والشق الذي من الداخل... لا يلتئم». ويقول الجزء الأخير: «وما دمت قد دخلت فلا تخرج». كأن الرواية، التي تحكي عن تناسخ روح الجد، ترشد إلى طقوس الدخول، تلك الطقوس المعروفة ميثولوجيا وأنثروبولوجيا التي ترسم الحدود بين حياة وأخرى. ومن هنا تكون طقوس الدخول مزدوجة المعنى، فهي تشير إلى ما حدث للجد في انتقاله من مكان لآخر (بالروح) وتؤشر أيضاً على مبدأ الحكي الذي يصوغ هذا الانتقال. وينتهي الأمر أن الدخول لا خروج له، تماماً كالتناسخ الهندي والأساطير الإغريقية (ديونيسيس وتالوس).

ينتقل الجد من حياة الى أخرى من دون نهاية، حتى مع الموت الأخير (لأن الرواية لا بد أن تنتهي) يعاود الجد الظهور للحفيد وهو في لحظة اللقاء مع مريم. وهو ما يؤكد أن هناك حيوات أخرى خلف تلك الحياة الأخيرة. تشبه حياة الجد المتكررة العروس الروسية التي تحوي في داخلها عروساً أصغر وهكذا إلى ما لا نهاية. يستمر الحكي لتتوالد حكاية من حكاية من دون أن نصل إلى اللب المركزي. دائرة تتوالد منها (وتولد أيضاً) دوائر أخرى بحجر صغير: «حين مات جدي للمرة الأولى، لم يكن يملك سوى عصا من خشب رديء وجلباب طويل». من هنا تتوالى الحكايات (التي يحكيها الحفيد لمريم) إلا أنه في آخر الرواية يقول لها: «أنت لم تسمعي الحكاية من أولها، يا مريم سأحكي لك». حكاية لا تنتهي عملاً بالقول الذي تصدر الجزء الأخير من العمل: «وما دمت قد دخلت فلا تخرج». إنها سطوة الحكي الكاملة التي تدور حياة الحفيد داخلها محاولاً بذلك الحصول على مدد وعون من حيوات جده المتعددة مقابل حياته المفردة.

في الأقوال التي تتصدر كل قسم من الرواية والتي تبدو وكأنها دليل الرحلة يقول الجد: «لكن حذار أن تشغلك الحكايات الجانبية». وفي القسم الذي يليه يقول: «ومن يملك نفسه أمام سطوة الحكايات الجانبية؟». هكذا تتوالد الحكايات الجانبية التي تشكل خطاً رئيساً في النص بوصفها الواقعي مقابل الأسطوري. فمن حكاية مريم وعائلتها في اليونان ثم القاهرة، إلى حكاية سمعان خادم الجد الذي جاء من السودان بحثاً عن الرزق، وحكاية الخالة طيبة التي رعت الحفيد صغيراً والغزالة التي أرضعته ومظلوم الذي يعشقها... حكايات عشق وحياة وموت وصحراء... «سيدي براني» تضم الحكايات ولا تجعل لها أولاً أو آخراً. يحكي الحفيد لمريم عن حيوات جده ويحكي لسمعان حكاية مريم ويستمع الى حكايات الكل. ويتوق شوقاً ليستمع إلى جده فيحكي الجد مرة واحدة، مستخدماً لغة أهل التصوف والطريقة. وفي حكيه يشير ضمناً إلى بنية الحكاية (وبالتالي الرواية)، فيقول: «كل ما له بداية له نهاية، لكن ما لا أول له ليس له آخر، وتظل حبيس السؤال: ثم ماذا بعد؟ فتكتشف أنك مربوط بالوقت، لا قبل ولا بعد، لا أمام ولا وراء، عليك أن تصنع من كل لحظة حياة كاملة لا تنتهي بالموت وإنما بالحياة». ومن كل موت للجد يصنع العزب حكاية جديدة تنتهي (أو لا تنتهي) بموت يفضي إلى حياة ليصبحا وجهاً واحداً لعملة واحدة.

فهم الجد (الشيخ الذي حوله الناس إلى ولي) أن للحكايات سطوة، تماماً كما فعل محمد صلاح العزب. والجد هو الوحيد الذي يعرف أسرار حكايته ويعرف ما كان يهمس به في أذن كل فرد، ويعرف أنه لن يموت ما دامت حكايته لم تنقطع. لم يبق إذاً سوى الحكي والحكايات. امتلاك الحكاية سطوة وهو ما عبر عنه من قبل الراحل محمود درويش بقوله: «من يملك الحكاية يرث الأرض». يعيد محمد صلاح العزب السطوة للحكي الروائي ويفهم «أسرار لعبته» كما الجد تماماً.