الأحد، 11 مارس 2007

قصة



البلاستيدات الخضراء


كانت المرة الأولى التي ترى فيها امرأة عارية.
دخل الأستاذ ناصر ظريف الفصل في أول حصة، وقال:
ـ أنا طول عمري رافض مبدأ الدروس الخصوصية.. لكنني وجدت أنها ضرورية لتحسين مستوى الطلبة، فبدأت أعطيها.. لكن من غير أن يتأثر شرحي في الفصل.
شكله أنظف من بقية المدرسين، ببنطلونه الجينز، وحذائه الأديداس، وسيارته السيات الصغيرة.
لم يعد يشرح في الفصل نهائيًا، وفي كل فصول أولى ثانوي لم يدخل غيرك درس الأحياء.
شقته واسعة ومرتبة، ويعطيك الدرس في غرفة مكتب أنيقة، لم تفهم منه، ولكنه وعدك بأنه سيخبرك بعلامة تضعها في ورقة الامتحان؛ حتى ينجِّحك.
كل مرة ترى الشقة هادئة ونظيفة، فسألته:
ـ لكن أين أولاد حضرتك؟
أشعل سيجارة كليوباترا بوكس، ويقول:
ـ ربنـا لم يأذن.
يكمل لك الإجابات الناقصة في امتحانات الشهور، ويعطيك الدرجة النهائية؛ لأن كل الفصل يعرف أنك الوحيد الذي دخلت عنده.
وعندما علم أنك تدخن صار يعزم عليك بالسجائر، ويقول:
ـ أنا أحب أن أكون أنا وطلابي أصدقاء.
تتبادل أنت وزملاؤك الصور الجنسية، ويحكي أصحاب الخيال الواسع منكم عن تجارب مكتملة أو مبتورة، كلُّ حسب خياله.
لكنك لم تتصور أبدًا أن ترى امرأة حقيقية عارية تمامًا، على بعد عدة أمتار، تتحرك جيئة وذهابا.
منضدة مستطيلة تتوسط غرفة المكتب، يعطيك الدرس عليها، كانت في الأصل ترابيزة سفرة من طراز قديم.
يجلس هو بجوار الباب ووجهه لك، وتكون أنت مواجهًا لفتحة الباب الموارب، ترى جزءا من سجادة الصالة، وكرسي أنتريه، ولوحة معلقة على الحائط بها قارب وصياد وشجرة نابتة في وسط النهر.
يشرح لك درس ((الخلية النباتية))، وبينما هو مندمج في الرسم، تمر زوجته بالصالة، عارية تمامًا، ومبلولة، يلتصق شعرها الأسود القصير برقبتها وظهرها وهو يردد:
ـ البلاستيدات الخضراء.
سمينة وطويلة، تسير وظهرها لك، ثم تنحني وتلتقط الفوطة من على الأرض، تستدير، فتراها بالكامل من الأمام، وتأتي عيناها في عينيك، ثم تختفي.
أخبرت كل زملائك بما رأيت، وبأن الأستاذ ناصر ظريف عاجز جنسيًا، بدليل أنه لم ينجب حتى الآن، وقد تجاوز الأربعين، ومن واحدة مثل زوجته.
دخل كثير من فصلك درس الأحياء، وصرت تذهب إلى الدرس مع مجموعة، وصار هو يغلق باب المكتب؛ حتى لا تتسرب الضوضاء إلى المدام بالخارج، كان يناديها في أثناء وجودكم بـ ((يا ناصر)).
لكنك عرفت أن اسمها ميادة من أمها التي زارتهم مرة، وكل قليل تقول:
ـ يا ميادة.. يا بنت يا ميادة.
في حين أسميتها أنت وزملاؤك: ((البلاستيدات الخضراء))، وصارت كلمة السر بينكم للإشارة إليها، وكان الولد أحمد عاطف حتى يضحككم يقول للأستاذ ناصر ظريف:
ـ البلاستيدات الخضراء حلوة جدا يا أستاذ.
كل واحد منكم يتخيل نفسه معها وهي في الوضع الذي حكيته لهم، أنت الوحيد الذي رأيتها هكذا، ولمرة واحدة، أما هم فلم يروها إلا بجلباب البيت العادي، إلا أن سمنتها الخفيفة مناسبة لتحريك خيالهم.
تضايقت لأنك أخبرتهم، فباب المكتب لم يفتح من يومها، لكنك صرت تحلم بها ليل نهار، أحببتها وأحببت درس الأحياء، صرت تنتظره بفارغ الصبر.
في وسط الدرس قلت:
ـ لو سمحت يا أستاذ.. أريد أن أذهب إلى الحمام.
تخيلت أنه سيقول لك: اذهب. فتخرج لتجدها على الصورة التي لا تتخيلها إلا بها، وهي مبلولة، لكنه قال:
ـ حاضر.
خرج قليلا، وأغلق الباب خلفه، ثم رافقك حتى رجعت من الحمام، لمحت في الصالة بواقي تفاح، وقشر موز، وكان التليفزيون مفتوحًا على فيلم أجنبي في الدش. أثار تفرجها على الدش خيالك، وأقنعت نفسك أن المطلوب منك فقط أن تنفرد بها، وستقوم هي بالباقي.
في الفسحة قفزت من على سور المدرسة، ركبت متوجها إلى بيت الأستاذ ناصر وقلبك يدق بعنف، تفكر في ملمس شعرها الناعم المبلول.
لم تضغط على الجرس، طرقت طرقة واحدة، وانتظرت حتى فتحت لك، ترتدي معطف نوم أصفر محبوكا حول جسدها، ووجهها يحمل آثار النوم، خمنت أنها لا ترتدي شيئا تحته، قلت:
ـ الأستاذ موجود.
هزت رأسها بالنفي.
ـ الصراحة أنا تغيبت اليوم من المدرسة.. الصراحة حسبته لم يذهب.. الصراحة لم أفهم الدرس الماضي...
وهي صامتة تنظر إليك، وتدرك أنت أن كذبك مفضوح؛ لأنك مرتبك، وترتدي ملابس المدرسة، وتحمل الحقيبة. قلت:
ـ طيب ممكن أنتظره.. هو زمانه في الطريق.
تركت لك مسافة لتمر، ثم أغلقت خلفك، ودخلت حجرة النوم، أثارك تثنيها وهي منصرفة. وأنت مرتبك تخشى أن يكون دخولها إلى غرفة النوم دعوة لك، فتقول عليك ((عبيط)) إذا لم تدخل. لكنك تخاف أن تقوم.
عادت، وجلست على طرف الكنبة القريب منك، قالت:
ـ ممكن أطلب منك حاجة؟
حاولت أن تنظر على ركبتها أو فتحة صدرها وأنت تهز لها رأسك بالموافقة، قالت:
ـ أريد مجلة نص الدنيا.
ووصفت لك أكثر من بائع جرائد. شعرت برجولتك تتضاءل وهي تعطيك ثمن المجلة، لم يكن بجيبك سوى أجرة الرجوع، تمنيت لو تقول لها بفخر:
ـ لا والله أنا معي.
لكنك أخذت منها النقود في انكسار، وأنت نازل السلم قالت لك بصوت رفيع:
ـ ربنا يخليك لا تأت إلا وهي معك.
عرقان، وملابسك متربة، بيدك المجلة التي أحضرتها من البائع البعيد.. يقابلك الأستاذ ناصر ظريف نازلا من السيارة يغلق بابها، حذاؤه الأديداس أبيض، وغال، ووجهه أحمر، قال لك:
ـ تعال مع زملائك.. أنا مشغول اليوم.
ناولته نصف الدنيا، أعطاك ظهره، واختفى في مدخل البيت.

هناك 20 تعليقًا:

غير معرف يقول...

القصة جميلة جدا يا محمد
أنا حصلي موقف قريب أوي من ده
عجبتني طريقة الكتابة
محمد عبده

عباس العبد يقول...

القصة حلوة جدا
بتفكرنى بمدرسة الفرنساوى
و كانت بتلبس لبس فى المدرسة
يخلى العيال تألف قصص من الصنف التقيل كل واحد بيمر بالتجربة دى
بالصنف الحريمى دى
بيفتكر نفسه سبع الليل
المهم
انا عايز اقولك رأي
فى رواية وقوف متكرر
الصراحة الرواية جميلة جدا و جذابة جدا
و تدفعك انك تكملها على مرة واحدة
و بتركز فى النافوخ و بتعمل شغل تمام
انما انا حاسس
انه مبتخلصش
مفيش
فى حاجة ناقصة
حاجة زايدة
كده فى حاجة مش مكتملة
فاهم قصدى

كراكيب نـهـى مـحمود يقول...

انت كنت نشرتها من سنة تقريبا في اخبار الادب وانا قريتها وعجبتني جدااااااااااااااااااااا وعلقت معايا اوي
لما شفته الانهاردة اتنطنط زي الاطفال كان سهى زكي واقفه جنبي على كمبيوتر المكتب وانا بقول هيه انا بحب القصة دي اوي
تحياتس يا محمد وتسلم ايدك

محمد صلاح العزب يقول...

الصديق محمد عبده
أشكرك على رأيك
لكن أنا لعندي صديقين اسمهم محمد عبده
واحد مذيع في النيل الثقافية
والتاني شاعر قابلته مرة واحده في ندوه
فهل انت واحد منهم ولا محمد عبده جديد
أشكرك

********

عباس العبد
أشكرك على رأيك في القصة
وكمان على رأيك في الرواية
لكن أنا ممكن أطلب منك طلب براحتك طبعا فيه
اقرا الرواية مرة تانية وأوعدك انك مش هتلاقي اللي انت بتقول عليه ده
حاول
ومنتظرك
إلى اللقاء


*******

منورة يا نهى
أنا مبسوط ان في حد زيك بيحب الأدب بالطريقة دي
انتي بتفكريني بطفولتي يا بنتي
سلمي على سهى كتير وعلى نهى بكر
خليكي معاهم باستمرار
وخلى سهى تنجز شوية وتجيبلي شغل محمد حسين بكر
عشان محمد هاشم طلبه مني ووعدني انه هينشره في ميريت بسرعة
تحياتي ليكي

Hannoda يقول...

قصة جميلة و خيالها حلو جدا

هدى يقول...

حلوة قوي

انا أول مرة أقرالك وعجبني اسلوبك جدا


تحياتي

محمد صلاح العزب يقول...

hannoda
أشكرك جدا

*********
هدى
أشكرك جدا

محمد صلاح العزب يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
إبـراهيم ... معـايــا يقول...

الواد ده برضه لونه (أزرق) بطريقة ...تكسـف .... ، بعدما القصـة تخلص ( فجـأة) طبـعًا .....


أنا بقى قريت لك المجموعة القصصية الأولى ، ومنتظر إني أحصل على ( سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء) ....


..................

قصـة جميـلة فعلاً .... و تتاكـل أكل


تحياتي

محمد صلاح العزب يقول...

صباح الفل يا هيما
شكرا لحضرتك على تشريفك
وعلى رأيك في القصة والمجموعة
وليس هناك أي داع يا صديقي لأن تنتظر حصولك على سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء
يمكنك الحصول عليها في التو واللحظة بمجرد دخولك على هذا الرابط
http://www.kotobarabia.com/BookDetails.aspx?ID=1842
والمجموعة :لونه أزرق بطريقة محزنة
بالدخول على هذا الرابط
http://www.kotobarabia.com/BookDetails.aspx?ID=3558
وعلى يمين الصفحة الرئيسية لمدونتي مكتوب: تحميل كتبي مجانا ممكن تدخل عن طريقها
كل ده يا جميل ببلاش من غير ما تدفع نقدية
اللي بفلوس بقى يا زعيم الرواية الأخيرة وقوف متكرر
ويمكن الحصول عليها من دار ميريت وعنوانها 6ب شارع قصر النيل بجوار سينما ومسرح قصر النيل
شكرا على اهتمامك
ومستني تقولي رأيك في باقي الشغل

متغيرة شوية يقول...

القصة عجبتني جدا

هو انا لسا مقريتش الرواية ، لكن برضه بنحاز للقصة القصيرة ..
لونه أزرق بطريقة محزنة من أحلى المجموعات اللي قريتها ، وبسلفها لكل الناس

hesterua يقول...

الله الله عليك
اسلوبك رااائع فى السرد
ما شاء الله بجد
مدونتك عجبتنى جدا

david santos يقول...

Hello!
This work is very good, thank you
have nice week

باسم شرف يقول...

رائعة ومثيرة ههههههههه

انت كاتب جامد ياعزب وليك اسلوب انا بحب اقراه

أحمد ندا يقول...

طريفة يامحمد..لكن روايتك عالية قوي وأعلى من كده..اكتشفتها بالصدفة مثل اكتشاف محمد حسين بكر قبل رحيله واكتئابه وتفاؤه وكتابته ..هو ولد ليكون يحيى الطاهر عبد الله .. وأنت ستكون بهاء طاهر جديد

محمد صلاح العزب يقول...

متغيرة شوية
شكرا لزيارتك
أنا بشوف اسم البلوج بتاعك كتير
ومعجب بيه قوي
شكرا على رأيك في المجموعة وعايزك تقري الرواية
أنا هعملها حفل توقيع قريب إن شاء الله
وطبعا انتي معزومة

************

hesterua
شكرا جدا يا معلم
وطبعا انت كمان معزوم

************
david santos
شكرا جدا بالعربي
أنا زرت مدونتك وطبعا لم أفهم أي شيء فيها
لأن أنا لا أملك غير لغتين فقط
اللغة الفصحى
واللغة العامية
وأحيانا بخبط في الإنجليزي
عموما مادامت القصة عجبتك يبقى انت بتعرف عربي
لذا أشكرك جدا بالعربي
ولو حبيت تيجي حفل التوقيع فده يبقى حاجة كويسة


************


يا عم باسم
منور البلوج وصاحب البلوج وكمبيوتر صاحب البلوج وشاشة كمبيوتر صاحب البلوج
بس مالك فرحان كده وانت بتقول ان القصة مثيرة
دا انت راجل بالغ عاقل مكلف
يعني ببساطة ممكن نقيم عليك الحد
الحد والاتنين والتلات
مساء الجمال

***********

أحمد ندا
متشكر ليك جدا جدايا أحمد
أنا برده بحب الرواية أكتر
وشكرا ليك بهاء طاهر كاتب مهم وكبير طبعا
وعلى العموم لا أملك غير اني أشكرك

أحمد ندا يقول...

أنا فرحت جدا بالمناسبة لما عرفت إن ليك مدونة.. لأن الرواية عجبتني ..وأفرحتني ..وكنت كتبت عنها موضوع صحفي لكن لم يكتب له أن ينشر

محمد صلاح العزب يقول...

منور البلوج يا عم أحمد يا ندا
شكرا جدا ليك وياريت تبعت لي اللي انت كتبته على الإيميل
ونحاول نشوف مكان ننشره فيه أو على الأقل على البلوجات
هو انت كنت كاتبه عشان تنشره فين
الإيميل
mohamedal3zab@gmail.com
شكرا ليك وفي انتظارك

REEMOO يقول...

بجد القصه دى فعلا جميله يمكن انا قريتها بعد قصه قميص النوم
انا بدات المدونه من الاحدث
القصه دى شدتنى جدا
الحالات دى انا قابلتها فعلا بحكم مهنتى كمدرسه فى سن معين عند الشباب بيقى مستنى خصله شعر تظهر علشان يعيش حاله من الوهم والخيال بيرضى بيها رغبه جواه
انت وصفت الاحساس بجد بطريقه عجبتنى جدا
سرد الاحداث والوصف حسسنى انى موجوده ومتخيله الموقف حصل ازاى
تحياتى

غير معرف يقول...

انا مبقراش على الكمبيوتر اطلاقا
رغم كده قريتها على مرة واحدة وكان ورايا امتحان تانى يوم
الرواية جميلة قوى تانى حاجة اقراها بعد وقوف
محمد انت مبدع. وبتدوس على حتت موجودة فى حياة كل بنى ادم حقيقى