الأحد، 3 أكتوبر 2010

مقال الكاتبة الكبيرة عبلة الرويني عن سيدي براني





عبلة الرويني تكتب عن سيدي براني:الحكي في فضاء مفتوح


نقلا عن جريدة الأخبار

ليست "الحكاية" ولكنه "الحكي".. هذا هو الجمال الخالص الذي أمسك به الروائي الشاب محمد صلاح العزب في روايته الجديدة "سيدي براني" الصادرة عن دار الشروق.. لا حكاية بعينها ولا شخصية محددة الملامح والقسمات تواصل مشوارها للنهاية.. لا نهاية، بل أيضا لا بداية، كل شيء يتداخل ويتقاطع في حركة هي الحياة.
"سيدي براني" هي الرواية الرابعة للعزب بعد "سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء"، و"وقوف متكرر" و"سرير الرجل الإيطالي" الصادرة عام 2007، وهو الإيقاع الذي سمح لصاحبه بخبرة جمالية وتجربة فنية بدت أكثر نضجا وبراعة.
ثمة استقلالية جمالية أو جماليات مستقلة في الرواية، ليست استقلالية الشكل عن المضمون، ولكن قدرة الحكي على تحرير ذاته وإطلاق أقصى طاقة للخيال والكشف عن سر النص، هذا ما تقوله اللغة أيضا بجمالياتها المستقلة، مفرداتها الدقيقة والموحية، بناؤها، والحكي في فضاء مفتوح منح الكاتب والقارئ أيضا براحا جماليا وحرية مضاعفة.
يجلس محمد صلاح العزب في فضاء سيدي براني على حافة الصحراء ممسكا بالرمال الصفراء بين يديه، مستمتعا بانفلاتها من بين الأصابع، بينما يغوص معها في حكاية لا تبدأ ولا تنتهي.
ثلاث عشرة مرة يموت فيها الجد لتبدأ الحكاية في كل مرة في مكان مختلف وزمان مختلف وحيوات اخرى، يقول الجد للحفيد الرواي: "عليك أن تصنع من كل لحظة حياة كاملة لا تنتهي بالموت، وإنما بالحياة"، وهو ما يفعله الحفيد تماما، لأن الحكاية هي الحياة أو "هي الأبد" كما يقول الراوي.
"سيدي براني" مدينة تقع على الحدود المصرية الليبية، وهو أيضا اسم أطلق على الرجل الذي ترك ليبيا هربا من حب خاسر ليقيم في هذه المنطقة ويحسبه الناس شيخا صوفيا، بينما يروي الحفيد حكايته المتجددة ثلاث عشرة مرة وأكثر.
التفاصيل ليست بطلا ولا تشغلنا كثيرا، فما تبحث عنه الرواية هناك بعيد وعميق، المكان سيدي براني ليس بطلا، لكن الصحراء تفرض حضورها وبراحها، "الجد" أيضا ليس بطلا للرواية لكن طبيعته الأسطورية تصيغ عالم الرواية بأكملها، ثم شيء أبعد من التفاصيل وأعمق، هو سر النص ووهجه.
يمزج محمد صلاح العزب الواقعي بالأسطوري، وربما يمزج الأسطوري بالأسطوري، والخيال بالخيال، ومن متعة إلى متعة نبدأ ولا ننتهي، هكذا تبدأ فصول الرواية بكلمات الجد: "مادمت قد دخلت فلن تخرج"، لن يمكننا الخروج بسهولة، فالحكايات تتوالد وتتنامى لتصيغ عالما من المتعة، حكاية الجد أو حكاياته المخترِقة حجب الزمان والمكان.. ليس بالإمكان الإمساك بملامحه ومعرفة قسماته، غير مسموح الاقتراب منه ومحاورته، لا عمر له ولا اسم له، هو فقط روح تملأ المكان بسطوة أسطورية.
وهناك حكايات جانبية يحذر الجد حفيده منها: "حذار أن تشغلك الحكايات الجانبية"، الخالة طيبة التي ربت الحفيد، يوم أن جاءوا به إلى سيدي براني، "الغزالة" التي قامت بإرضاعه، "وسمعان" خادم الجد الذي يسمع فقط ليحتشد صمته بكل الحكايات.
الحكايات الجانبية هي أكثر إنسانية، أصحابها من لحم ودم، وهم أكثر حضورا، لكن حذار ان تشغلك حكاياتهم، إنهم فقط علامات على طريق ممتد، طريق الحكي أو طريق الحياة.

هناك تعليقان (2):

د/ لـــؤلـــؤة يقول...

ربنا يوفقك يامحمد
بجد عاجبنى كتاباتك وأصرارك علي التواجد
وعاجبنى جرأتك قوى
أنا دورت عليك علي الفيسبوك
بس مالقيتش الاكونت الخاص بيك
بس لما دخلت ماقدرتش مااكتبلكش كومنت أهنيك فيه علي النجاح
ربنا يوفقك ياجميل

محمد صلاح العزب يقول...

شكرا جزيلا يا لؤلؤة
اعملي سيرش عني بالإيميل
mohamed_al3zab@yahoo.com