الأحد، ٣ أكتوبر ٢٠١٠

مقال الكاتبة الكبيرة عبلة الرويني عن سيدي براني





عبلة الرويني تكتب عن سيدي براني:الحكي في فضاء مفتوح


نقلا عن جريدة الأخبار

ليست "الحكاية" ولكنه "الحكي".. هذا هو الجمال الخالص الذي أمسك به الروائي الشاب محمد صلاح العزب في روايته الجديدة "سيدي براني" الصادرة عن دار الشروق.. لا حكاية بعينها ولا شخصية محددة الملامح والقسمات تواصل مشوارها للنهاية.. لا نهاية، بل أيضا لا بداية، كل شيء يتداخل ويتقاطع في حركة هي الحياة.
"سيدي براني" هي الرواية الرابعة للعزب بعد "سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء"، و"وقوف متكرر" و"سرير الرجل الإيطالي" الصادرة عام 2007، وهو الإيقاع الذي سمح لصاحبه بخبرة جمالية وتجربة فنية بدت أكثر نضجا وبراعة.
ثمة استقلالية جمالية أو جماليات مستقلة في الرواية، ليست استقلالية الشكل عن المضمون، ولكن قدرة الحكي على تحرير ذاته وإطلاق أقصى طاقة للخيال والكشف عن سر النص، هذا ما تقوله اللغة أيضا بجمالياتها المستقلة، مفرداتها الدقيقة والموحية، بناؤها، والحكي في فضاء مفتوح منح الكاتب والقارئ أيضا براحا جماليا وحرية مضاعفة.
يجلس محمد صلاح العزب في فضاء سيدي براني على حافة الصحراء ممسكا بالرمال الصفراء بين يديه، مستمتعا بانفلاتها من بين الأصابع، بينما يغوص معها في حكاية لا تبدأ ولا تنتهي.
ثلاث عشرة مرة يموت فيها الجد لتبدأ الحكاية في كل مرة في مكان مختلف وزمان مختلف وحيوات اخرى، يقول الجد للحفيد الرواي: "عليك أن تصنع من كل لحظة حياة كاملة لا تنتهي بالموت، وإنما بالحياة"، وهو ما يفعله الحفيد تماما، لأن الحكاية هي الحياة أو "هي الأبد" كما يقول الراوي.
"سيدي براني" مدينة تقع على الحدود المصرية الليبية، وهو أيضا اسم أطلق على الرجل الذي ترك ليبيا هربا من حب خاسر ليقيم في هذه المنطقة ويحسبه الناس شيخا صوفيا، بينما يروي الحفيد حكايته المتجددة ثلاث عشرة مرة وأكثر.
التفاصيل ليست بطلا ولا تشغلنا كثيرا، فما تبحث عنه الرواية هناك بعيد وعميق، المكان سيدي براني ليس بطلا، لكن الصحراء تفرض حضورها وبراحها، "الجد" أيضا ليس بطلا للرواية لكن طبيعته الأسطورية تصيغ عالم الرواية بأكملها، ثم شيء أبعد من التفاصيل وأعمق، هو سر النص ووهجه.
يمزج محمد صلاح العزب الواقعي بالأسطوري، وربما يمزج الأسطوري بالأسطوري، والخيال بالخيال، ومن متعة إلى متعة نبدأ ولا ننتهي، هكذا تبدأ فصول الرواية بكلمات الجد: "مادمت قد دخلت فلن تخرج"، لن يمكننا الخروج بسهولة، فالحكايات تتوالد وتتنامى لتصيغ عالما من المتعة، حكاية الجد أو حكاياته المخترِقة حجب الزمان والمكان.. ليس بالإمكان الإمساك بملامحه ومعرفة قسماته، غير مسموح الاقتراب منه ومحاورته، لا عمر له ولا اسم له، هو فقط روح تملأ المكان بسطوة أسطورية.
وهناك حكايات جانبية يحذر الجد حفيده منها: "حذار أن تشغلك الحكايات الجانبية"، الخالة طيبة التي ربت الحفيد، يوم أن جاءوا به إلى سيدي براني، "الغزالة" التي قامت بإرضاعه، "وسمعان" خادم الجد الذي يسمع فقط ليحتشد صمته بكل الحكايات.
الحكايات الجانبية هي أكثر إنسانية، أصحابها من لحم ودم، وهم أكثر حضورا، لكن حذار ان تشغلك حكاياتهم، إنهم فقط علامات على طريق ممتد، طريق الحكي أو طريق الحياة.

حوار جريدة الأخبار حول سيدي براني







محمد صلاح العزب: سيدي براني استكملت أضلاع مثلث الرواية



حوار رشا حسني – جريدة الأخبار




كعادته لا يكتفي محمد صلاح العزب على طريق عبّده من قبل، فهو في روايته الجديدة سيدي براني الصدارة مؤخرا عن دار الشروق يذهب بمشروعه الإبداعي إلى منطقة جديدة تجمع بين الواقعية والفانتازيا ويطعم نصه السردي الذي يفيض بالشاعرية بتساؤلات وجودية يصيغها ببساطة دون تعال على القارئ ليمكنه من الاشتباك معها.
أما التحدي الحقيقي الذي واجه العزب في "سيدي براني" فقد تمثل في مدى قدرته على صياغة عالم متكامل متعدد المستويات ورصد تغيراته في مدى زمني ممتد.
سيدي براني هي نفسها صلاة العزلة التي اشتغل عليها العزب أكثر من سبع سنوات، باحثا عن عالم روائي مختلف، وحملت الرواية تجديدا شكليا يبدو في حجم الرواية الذي وصل إلى مائتي صفحة بخصوص رواياته السابقةالتي لم تكن تتجاوز مائة صفحة وتجديدا في المضمون تجلى في لغة السرد وبنية الرواية.
وتثير الرواية تساؤلات ناقشنا بعضها في حوارنا مع العزب.




ـ اختيارك لعنوان الرواية يوحي بأن المكان بطل رئيسي فيها لكن يبدو أن سطوة الحكاية أخفت كثيرا من شخصية المكان.. فهل قصدت خدعة القارئ؟




** عنوان الرواية "سيدي براني".. وسيدي براني علم على شخص هو المتصوف الليبي الذي وقع في الغرام فتم طرده فبدأ حياته في مكان آخر، وعلم على مكان وهو المدينة الصغيرة الواقعة قرب الحدود المصرية الليبية، وعلم على حكاية ارتباط هذا الشيخ بهذا المكان، وهذه العلاقة بين الإنسان والمكان والحكاية هي روايتي، ويمكنك تتبع هذا مع كل شخصياتها: الشيخ، سمعان، الراوي، مريم، طيبة، إلخ، فكأنه مثلث لا يمكن له أن ينغلق إلا بأضلاعه الثلاثة، والحياة نفسها هكذا، بمجرد تفاعل الإنسان مع أي مكان تكون هناك حكاية تستحق أن تروى. وسيدي براني الشخصية الحقيقية له حكايتان: حكاية رسمية تخفي ذكر العشق والطرد في قصته واختفاءه في النهاية، وقصة شعبية أسر لي بها البدو هناك ولا يعرفها الكثيرون حتى منهم، وهي التي ذكرتها في الرواية.

ـ طرقت في هذه الرواية عالما مختلفا تماما عن روايتيك السابقتين فهل تقصد تغيير هوية رواياتك من الواقعية الى الفانتازيا واخيرا الجمع بينهما معا في "سيدي براني"؟




** طوال الوقت أكتب في منطقتين واقعية وفانتازية الأولى تمثلها وقوف متكرر والثانية سرير الرجل الإيطالي، ولكل منطقة منهما جمالياتها المختلفة تماما، لكن سيدي براني أتت من منطقة ثالثة، وهي التحام الأسطورة الموروثة بالحياة الواقعية للرواي وكيف أثر هذا في شخصيته، فهو مثلا حين أتى إلى القاهرة في نهاية رحلته لم يعرفها جيدا وبالتالي لا نجد صورة واضحة للقاهرة كما نعرفها نحن، حتى سيدي براني التي عاش فيها لا تمثل إلا وجهة نظره عنها، مما صبغ الواقع بصبغة أسطورية كأننا نشاهد هذه الأحداث في فيلم تاريخي حتى وهي تجري حولنا. لكن هذا ليس معناه اللعب في هوية رواياتي، فأنا لا أحب أن يلعب فيها أحد، والرواية المقبلة مثلا هي رواية واقعية تماما تدور في القاهرة، وأنا أعتبر مشروعي الإبداعي ينقسم إلى قسمين: الأول هو الحفر في القاهرة تحديدا، بكل ما فيها من أماكن وحياة وبشر وخبرات وحكايات، والثاني: اللعب مع اللغة والخيال، والقسمين لا فاصل بينهما فهما يبتعدان ويتقاربان ويتداخلان طوال الوقت حسبما يتراءى للكتابة.

ـ ما هي دلالة الحيوات المتعددة في شخصية الجد؟




** هناك فكرتان انطلقتُ منهما، هما مصدر فكرة الحيوات المتعددة، الفكرة الأولى: تناسخ الأرواح، فكرت لماذا لا يتم التناسخ لنفس الشخص لماذا لا تخرج منه الروح وبدلا من ان تذهب لكائن حي تعود إليه مرة أخرى؟ والفكرة الثانية هي الخلود، الحلم اللأثير للبشرية، فرغم أن الخلود هو ما يتمناه كل حي إلا أنها أمنية لا تلتفت للطبيعة البشرية، فحاولت أن أفكر وأطرح السؤال وألعب معه فنيا: هل نحن كبشر بطبيعتنا وصفاتنا مؤهلون لفكرة الحياة إلى الأبد حتى لو تخللتها أوقات من الموت؟ وهل هذا ما نريده فعلا؟ وهل الموت ضد الإنسان أم معه؟ وكل ما فعلته أنني مددت الخط على استقامته غير حريص على الوصول إلى إجابة شافية، لأنها غالبا غير موجودة.
وتجليات هذه الحيوات المنفصلة تتضح أكثر في الحياة الأخيرة للجد، حيث بدت أسئلته عن الحياة والموت والإله أكثر وضوحا وتحديدا.


ـ عندك ولع باستخدام "ليد" أو مقدمة لفصول رواياتك إلى أي حد تخدم تلك الاستشهادات بنية الرواية؟




** فعلت هذا في روايتين: سرير الرجل الإيطالي وسيدي براني، وفي العملين كانت هناك ضرورة فنية وجمالية من وجهة نظري لتصدير الفصول بهذه النصوص، فالرجل الإيطالي يدعو إلى ديانة جديدة ولديه نص مقدس يمثل محور ديانته، فكان مهما أن آتي ببعض مقاطع من هذا النص المقدس، ووضعتها في بدايات الفصول بشكل مستقل ومميز كخارطة للوصول إلى عمق الشخصية، وهنا في سيدي براني لدينا رجل عاش 13 مرة يسر لأولاده وأحفادة بمقولات صوفية ليهديهم طريقهم في الحياة، وفي العملين هذه المقاطع تصنع نصا جماليا مختلفا وموازيا للنص الأصلي وتعطي ملامح حقيقية واضحة للشخصية الرئيسية.

ـ حضور المرأة في الرواية واضح لكنها دوما تصور كـ"متاع" فيما عدا شخصيتي مريم وطيبة.. لماذا؟




** بالعكس تماما، معظم إن لم تكن كل الشخصيات النسائية في الرواية فاعلة تماما، بدءا من الخادمة العجوز التي وقفت أمام أهل القرية جميعا في البداية لتنقذ الجد وتمنحه جمال حياته الأولى، حتى الغزالة المرضعة التي تعمل لإطعام زوجها القعيد وتدخل في غرام معلق مع ظالم، مرورا بالفتاة الهندية التي تأبت على الجد لتحرق نفسها مع جثمانه، حتى صبر الطفلة الصغيرة التي حلمت بأن تصبح ممثلة لكن الواقع وظروف الحياة البدوية قهرا حلمها الصغير.
ـ استخدام نصوص "الطاو" التراثية هل جاء استجابة لضرورة فنية أم أنه مجرد إخلاص لصيغة الرواية الحديثة المتحررة من التابوهات؟
** لم تعد هناك تابوهات أصلا، وبما أن الرواية تتعرض لهذه الأزمنة التراثية، فإن استخدام "الطاو" جاء استجابة لضرورة جمالية.

ـ قلت على لسان إحدى الشخصيات "البلاد تقاس برجالها ولا يقاس الرجل ببقعة من الارض يمكنه أن يتركها الى غيرها" إلى أي حد يعكس ذلك مفهوم الوطن لدى جيلك؟




** الوطن الذي لقنونا إياه ونحن صغار هو أناشيد الصباح من نوعية: مصر هي أمي نيلها هو دمي، وحين كبرنا فوجئنا بأن الوطن هو الابن الذي يقتل أمه من أجل عشرة جنيهات ثمن سيجارة البانجو، والموت على شواطئ الهجرة غير الشرعية، والخضار المسرطن، والمياه الملوثة والتسول من أجل بناء مستشفى. والمطلوب منا هو ترميم هذا الوطن الفاسد حتى يصبح صالحا للاستهلاك الآدمي.

سيدي برّاني.. حكايات العزب عن جده الأسطوري الذي لا يموت


سيدي برّاني.. حكايات العزب عن جده الأسطوري الذي لا يموت

** مقال وجدي الكومي في اليوم السابع
يتسبب رحيل بعض الأحباء فى العائلة إلى إتجاه الروائيين لإعادة إكتشاف النقاط المضيئة فى حياتهم، وإستعادتهم من خلال عمل روائى ، وهو ما فعله الروائى محمد صلاح العزب فى روايته " سيدى برانى" الصادرة حديثا عن دار الشروق، حيث وضع شكرا فى نهاية الرواية لروح جده العزب، قال فيه: لم أكن أتصور فى حياته أنه يحتل كل هذه المساحة من روحى، لولا انفصاله عن جدتى واختياره "سيدى برانى" مكانا لعزلته لما عرفت بوجود هذه المدينة على الخريطة، ولما كانت هذه الرواية.
تبدأ " سيدى برانى" التى تدور أحداثها بين ثلاث أماكن هى القاهرة وسيدى برانى على حدود مصر الغربية، وباريس، بالجد الذى يحكى حكايته الشاب راوى الحكاية قائلا: حين مات جدى للمرة الأولى لم يكن يملك سوى عصا من خشب ردئ وجلباب طويل، حفروا له على عجل حفرة غير عميقة بجوار جثمانه تماما، فتعفر وجهه واختفت ملامحه، خيطوا له الجلباب على جسده من أسفل، وتحيروا فى رأسه، فوضعوه فى الكيس القماشى الذى اعتاد أن يحمل فيه طعامه، دفعوه حتى سقط فى الحفرة وأهالوا التراب على جسده وانصرفوا دون أن ينظر أحدهم وراءه.
هكذا يفتتح العزب الرواية بالجد وينهيها بالتنويه الذى يشكر فيه جده العزب وفيما بينهما يحكى لنا الشاب راوى الحكاية قصص ثلاث عشرة حياة يحياها جده، فيشير فى أولى صفحات الرواية إلى أن طفلا صغيرا عاد إلى موضع دفن الجد، فوجد الجلباب والكيس القماشى مفرودين على سطح الحفرة الذى ظل ممهدا كما تركوه، وهو ما جعل الناس يبنون فوق القبر ضريحا يزوره المريض والمحتاج والمربوط.
فى أولى حيوات الجد، يعثر عليه أهل إحدى القرى طفلا عمره 4 أعوام، متمددا على شاطئ النهر، له شارب ولحية مكتملين، كأنه شاب فى العشرين، يظنه أهل القرية طفلا مسحورا، وتظهر دعوات تطالب بقتله، حيث يصفه البعض بأنه ليس إنسيا، فيما يقول العقلاء من أهل القرية أنه ليس مسحورا، ولكنه ابن خطيئة، وفى هذا الموضع المبكر جدا من الرواية يبدأ العزب محاولة إستعادة التراث الصوفى بنسج الأساطير حول هذا الطفل، فأهل القرية يعبثون فى جسده، وفمه، ويحاولون التحقق من لحيته وشاربه، بل ويضغطون على أسنانه لإختبار قوتها، دون أن ينجحوا فى جعله يتخلى عن ابتسامته.
يعيش الجد فى هذه القرية فى كنف خادمة عجوز تتهيبه أولا، ثم لا تلبث أن تكتشف رجولته الكاملة، فتستعيد معه شبابها بالكامل، ويختفى من رأسها المشيب، ويعود جسدها مفرودا كما كانت شابة، تتشبث الخادمة العجوز بالطفل، وتدافع عنه وتستمر علاقاتها به، حتى تفاجأ بحملها منه، فيحاكمها أهل القرية بتهمة الوقوع فى الخطيئة ويتهمون ظلما أحد باعة الأقمشة بالقرية، لأنهم لا يتصورون أن الطفل هو والد الجنين.
ينتقل العزب بعد هذا الجزء إلى حكاية أخرى هى قصة " الحفيد " الراوى الذى يقص حيوات جده، والذى يقوم أخواله بتسليمه لجده، الذى يعيش فى عزلته فى سيدى برانى، بعد أن تلتهم النيران أبويه فى حادث أليم ، بل يؤثر أن يؤخرها حتى يقص قصة حياة الجد فى باريس والتى يرحل إليها فى رحلة دراسية بعد أن عاش حياة أخرى عامرة فى كازينو بديعة مصابنى، يلتقى فيها بنجيب الريحانى، ويكاد يقع فى حب الراقصة " ببا" ويعمل مشرفا على أعمال رجل الأعمال " التونسى" الذى يفتح قصره لحفلات المخنثين ولكن العزب لا يعمد إلى قص الحكاية بهذا الترتيب فالقارئ يصادف أولا قصة سفر جد الشاب إلى فرنسا فى الصفحة 25 ثم يستكمل دائرة الحكاية فى الصفحة 155 وفيما بينهما نتعرف على حيوات متعددة للجد، يقود فى إحداها ثورة ضد أحد الحكام لينتزع منه سلطة الحكم حين يدعي النبوة ويصدقه أتباع هذا لحاكم، كما نتعرف على العم سمعان المريد الأمين الذى يصطفيه جد الشاب فى عزلته بسيدى برانى، ليحكى له أسرار حيواته المختلفة، والذى بدوره يحكيها للشاب، يجلس سمعان الشاب أمامه ويحكى : أول ما جاء أخوالك إلى سيدى برانى، ونزلوا من السيارة الكبيرة الصفراء التى تبرق فى الشمس كسبيكة الذهب، والتى كتب على جانبيها كلام كثير بلغة لا أعرفها تحلق الصغار حول السيارة وتركت النسوة ما بأيديهن ليتفرجن، نزل أربعة رجال يحملون رضيعا ويسألون عن الشيخ، ولما علموا أن حوش جدك بعيد، سألوا عن طبيب للرضيع الهالك".

الأحد، ٥ سبتمبر ٢٠١٠

هل سيقول الرئيس لوزير الثقافة مجددا: ارمي ورا ضهرك يا فاروق؟!

يبدو والله أعلى وأعلم أن هناك حفرة خلف ظهر وزير الثقافة الفنان فاروق عبد العزيز حسني، اعتاد أن يرمي فيها كل إخفاقاته وفشله الدائمين، حتى وصل أمر الحفرة إلى الرئيس بعد فضيحة اليونسكو وهزيمة الفنان المدوية فيها، فحاول مبارك التخفيف عن الوزير فقال له: ارمي ورا ضهرك.
السؤال الآن: ما هو عمق واتساع حفرة الوزير؟ وهل ستحتمل فضيحة زهرة الخشخاش مثل كل الفضائح السابقة؟ ولماذا لا يريح الرئيس وزيره الأثير ويقيله ليردم بهذا القرار حفرة ظلت مفتوحة طوال ربع قرن هي عمر الوزير في الحفرة، أقصد الوزارة.
الوزير بعد لفافة الخشخاش المهربة من المتحف قال: أنا مش بقرة، وموقعتش، ومش هتكتر سكاكيني.
لفافة الخشخاش على ما يبدو أذهبت رباطة جأش الوزير (رغم أني لا أعلم ما هو الجأش تحديدا)، فقال إن الفضيحة ليست في سرقة اللوحة لأن اللوحات بتتسرق في جميع أنحاء العالم على رأي اللمبي: الديزة وشبرا وعابدين، لكن الفضيحة في الطريقة التي سرقت بها، وهو ما يعني أنها لو سرقت بطريقة أفضل لما كانت هناك مشكلة، وهو ما يعني أن الوزير ربما يقيم دورات تدريبية للصوص اللوحات ليتعلموا السرقة بطرق لا تحرج الوزارة، أسوة بالسرقات التي تتم في فرنسا واليابان وأمريكا.
حجة الوزير كما نعلم جميعا "مسح التختة"، فتحجج الوزير بأنه "مكنش يعرف" أن المتحف بدون أجهزة إنذار، وإنه "بالعقل كده" لو كان يعرف أنه عار من الإنذار لما تركه مفتوحا. وهنا يجب أن نعطي الرجل عذره كاملا "مكنش يعرف"، لكن إن شاء الله المرة اللي جاية هيحاول يقوم بشغله ويتابع المتاحف ويعرف كل حاجة، والحمد لله إنها جت على قد زهرة الخشخاش، لأنها إن كانت حلال أدينا بنعرضها وإن كانت حرام أديها اتسرقت.
بعد كل هذا يجب ألا يظن مغرض أن الوزير متمسك بالبقاء في منصبه، بالعكس الرجل قال إنه يرحب تماما بقرار إقالته على أن يأتي من فوق، دون أن يذكر لماذا لا يستقيل من تلقاء نفسه، لكن يبدو أن يؤمن بالمثل: بيد الرئيس لا بيدي، وقال إن قرار الإقالة "هيريحه"، لأنه على وشك "الانتحار" بسبب كوارث وزارة الثقافة.
طبعا مهما كنا نحمل من الشر لا نريد أن نقرأ خبر انتحار وزير الثقافة، لهذا أطالب بحملة لنزح حفرة الوزير، حتى تصبح خالية وقادرة على احتمال المزيد من الفضائح والكوارث، وحتى نهتف جميعا: ارمي ورا ضهرك يا فاروق.
** الصورة تخيلية لحفرة فاروق حسني وما حولها

الاثنين، ٣٠ أغسطس ٢٠١٠

سيدي براني - الشروق



سيدي برّاني

ـ 1 ـ

حين مات جدي للمرة الأولى، لم يكن يملك سوى عصا من خشبٍ رديء وجلباب طويل.
حفروا له على عجلٍ حفرة غيرَ عميقة بجوار جثمانه تماما، فتعفر وجهُه واختفت ملامحُه.
خيّطوا الجلباب على جسده من أسفل، وتحيروا في رأسه، فوضعوه في الكيس القماشي الذي اعتاد أن يحمل فيه طعامَه.
دفعوه حتى سقط في الحفرة، وأهالوا التراب على جسده وانصرفوا دون أن ينظر أحدُهم وراءه.
طفل صغير رجع بعد قليل بحثا عن ضفدعة يسمع نقيقها ولا يراها، وجد الجلباب والكيس القماشي مفرودَين على سطح الحفرة الذي ظل ممهدًا كما تركوه.
ناداهم الطفل فرجعوا، وحين رأوا الملابسَ طفت وحدها على وجه الأرض، دون الجسد الذي كان بداخلها، قالوا: هذه معجزة.
بنوا فوق القبر ضريحًا، يزوره المريض والمحتاج والمربوط والتي لا تلد، دون أن يفكروا في نبش التربة ليتأكدوا من وجوده داخلها.


ـ 2 ـ

لا أحد يعلم لجدي أبًا ولا أمًّا، وجدوه متمددًا على شاطئ النهر، يمد يده يغترف من الماء ويشرب وهو يبتسم.
عمره أربعة أعوام، وله شارب ولحية مكتملين كأنه شاب في العشرين.
هذه اللحظة تحتفظ بها ذاكرته جيدًا، أقبلوا عليه وحملوه إلى بيت كبير القرية، فأتى له بخادمة عجوز، وأمرها أن تطعمه فرفض، واكتفى بشرب كثير من الماء، حاولت الخادمة أن توقفه على قدميه حتى يسير فلم يستطع الوقوف، ولم يتكلم، فقط يبتسم ابتسامة واسعة.
اجتمع عدد كبير من رجال القرية، وجلسوا حوله وهو متمدد بينهم، يظنون أنه لا يفهم ما يقولون.
قال بعضهم إنه ليس إنسيًّا، فرد عليهم آخرون بأنه طفل مسحور، واعترض العقلاء وقالوا ليس مسحورا ولكنه ابن خطيئة ألقته أمُّه بعد وضعه، وقال عرّاف القرية إنه سيكون سببًا لهلاكهم، فاقترح بعضهم قتله، وقالوا: حتى لا يفتن الناس، فاعترضت جماعة وقالوا: لا تقتلوه، وأعيدوه إلى شاطئ النهر ولا علاقة لكم به.
رجل الدين قال إن حالته لم يرد ذكرها في الكتب المقدسة، ولهذا فهو شيطاني وليس إلهيا، وقال الطبيب: هذه حالة غير علمية، وربما يكون هذا الطفل بداية تحوّل لا تحمد عقباه في السلالة البشرية.
يتحدثون، ويطيلون النظر إليه، يفردونه أمامهم، ويعبثون في جسده، يحملونه ويقذفونه في الهواء، متحسسين أنفه وعينيه، كلهم جذبوه من لحيته وشاربه ليتأكدوا من أنهما حقيقيين، وفتح أحدُّهم فمه وضغط على أسنانه ليختبر قوتها. كل ذلك دون أن ينجحوا في جعله يتخلى عن ابتسامته.
مر بنفس الجلسة أكثر من مرة في أكثر من قرية، ومازال يذكر تفاصيل كل مرة، فظل يتأمل ملامحهم التي يجدها متطابقة، ويسمع أصواتهم كصرير في أذنيه.
لم يتوصلوا إلى قرار في اليوم الأول، وأنهكتهم المناقشة، فأعطوه للخادمة العجوز ليبيت معها الليلة، وانصرف كل منهم إلى بيته، واتفقوا أن يجتمعوا في الصباح التالي ليقرروا مصير الطفل الغريب.
حملته الخادمة، كان ثقيلا، لكنها أمسكته بيديها فقط، حريصة ألا يقترب جسده من جسدها، وقطعت المسافة الطويلة من بيت كبير القرية إلى غرفتها المواجهة للنهر وهي خائفة ومتعبة، تنقل قدميها بصعوبة، وتجلس لتستريح كل قليل.
تريده أن يكف عن الابتسام أو أن يبكي كالأطفال في سنه لتطمئن، لكنه لم يفعل، فضغطت على جسمه بقوة، وقرصته بأصابعها النحيلة في جنبه، فدفع يدها في رفق وهو يحدق في عينيها مبتسما حتى كفّت.
فكرت أن تتركه في وسط الطريق، وفكرت أن تغرقه في النهر لتتخلص منه، وقالت في نفسها إنها لو أضاعته فلن يهتم أحد به، وسيصدقونها لو اخترعت لهم أي حكاية بشأنه، ستقول لهم إنه تركها وجرى، أو إنه تحول إلى جني وقفز في النهر، أو إنه اختفى فجأة، لكنها خافت من عينيه اللتين تحدقان في عينيها مباشرة، وانتهت إلى أنها لا تستطيع قتل طفل يبتسم بهذه الصورة.
دخلت غرفتها، وأضاءت المصباح بسرعة، وضعته على فراشها، وظلت واقفة بجواره، شعرت بالجوع وخافت أن تنشغل عنه بصنع الطعام، خلعت شالها ووضعته على وجهه لتخفي عينيه، فدفعه بيده، حاولت أن تضحك له وأن تُلَعِّب ملامحها، حملته وقذفته في الهواء حتى يضحك، دغدغته في قدميه وتحت إبطيه فلم يضحك، اتسعت ابتسامته قليلا فقط، خجلت أن تبدل ملابسها أمامه، فجلست بجواره على حافة السرير حتى غلبها النعاس.
استيقظت بعد قليل على بلل أسفل مؤخرتها، قامت مفزوعة فوجدته قد تبول على الفراش، ابتسمت رغم بلل ملابسها، ونزعت عنه ثوبه، فظهر شعر كثيف في صدره وعانته، ورأت أمامها عضوًا مكتملا لرجل، تراجعت وهي خائفة، لكنها لم ترفع عينيها عنه، وشعرت بالرغبة.
أحضرت إناء به ماء وغسلته من أسفل، فانتصب عضوه في يدها، تحاشت أن تنظر إلى عينيه، وأطالت عملية الغسل، ثم نظرت إلى وجهه فوجدته مبتسمًا وعينيه نصف مغمضتين، خلعت ملابسها ثم صعدت فوقه حتى شعرت به داخلها، وبدا هو مستمتعًا يتحرك بمهارة من اعتاد المضاجعة.
أيقظتها الشمس حين سقطت على عينيها، قامت تتمطى في كسل وهي تمرر يديها على نهديها، انتبهت لعريهما فألبسته ملابسه التي جفت، ووقفت تغتسل أمامه وهي تغني وتصفف شعرها، وهو يتأملها مبتسمًا فشعرت بالرضا. فوجئت بجسدها مفرودا أكثر من الليلة السابقة، وبشعرات سوداء جديدة وسط شعرها الثلجي، ارتدت جلبابا نظيفا وحملت الطفل وخرجت لتجد أكثر أهل القرية مجتمعين أمام بابها، يريدون أن يشاهدوا الطفل ذا اللحية الذي لا يأكل ولا يضحك ولا يبكي ويكتفي بالماء فقط.
حين تجمهروا حولها خاف منهم، غطت وجهه بشالها حتى لا يحدقوا فيه، وضمته إليها بقوة وأعطتهم ظهرها لتحميه من عيونهم فشعر بالطمأنينة، والنساء يقتربن منها فلا يرين إلا وجهها، فيسألنها:
ـ كيف صغرتِ هكذا؟
هرولت وهم يسيرون بجوارها، وحين وصلت إلى بيت كبير القرية والرجال مجتمعون لديه، دخلت فطلبوا منها الطفل، فقالت:
ـ ماذا ستفعلون به؟
نهروها لأنها خادمة ولا يجب أن تتكلم في مجلس الرجال، تشبثت بالطفل ورفضت أن تتركه لهم، وأمسك هو بأنامله الصغيرة ثيابها وجذبها إليه بقوة خائفًا أن تتركه، فأخبروها باتفاقهم على أن يحملوه ويتركوه في القرية المجاورة أمام الشاطئ؛ لأنهم علموا أن أهل القرى السابقة كلهم فعلوا هذا. وُجد عاريًا في القرية الأولى على شاطئ النهر، فألبسوه، وظلت كل قرية تلقيه للتي تليها حتى وصل إلى هنا.
بكت العجوز، وجرت بالطفل من أمامهم، فلم يهتموا بها، وقالوا:
ـ العجوز أراحتنا.
في الخارج جرى أهل القرية خلفها، فجرت من أمامهم، ولم يستطيعوا اللحاق بها.
دخلت غرفتها وأغلقتها أمامهم. وضعت الطفل برفق على الفراش، ثم خرجت وهي تمسك في كل يد سكينا، وهددت بقتل من يقترب منهم.
تفرق أهل القرية وقالوا إن الطفل مسحور وإنه أصاب العجوز بالجنون.


ـ 3 ـ

لم تصدق العجوز في البداية أن يكون طفلا رغم ملامحه الطفولية وتبوله في الفراش، توقن أنه قزم بالغ عاجز عن الكلام والسير، وأن أحدًا غيرها لم يكشف هذا. أخفته في حجرتها ولم تخرج به مطلقًا، وحين تحلق له شاربه ولحيته ويبتسم يبدو بريئا كرضيع.
في البداية حفّظته اسمها فكان يناديها به دون أن يجيد نطقه، وعلمته بعض الكلمات، وعوّدته بعض أنواع الطعام، وأتقن السير ممسكًا بيدها، وفي أيامها الأخيرة معه صار يتكلم ويأكل ويسير.
تضاجعه عدة مرات في اليوم، ويقذف داخلها فلا تفكر لحظة أنه طفل. حاولت أكثر من مرة أن تسأله عن اسمه أو عن حياته قبل أن يأتي إلى القرية، فلم يبد أنه يفهمها. تود أن تناديه باسمه لكنها لا تعرفه، تفكر أن تمنحه اسما جديدا لكن تتراجع حتى لا يصير له اسمان. تستغرب من نمو جسده، ومن أنه لا ينام إلا قليلا، لكنها أحبت هذا حين أيقظها ذات ليلة قبل أن يلدغها ثعبان تسلل من أسفل باب الحجرة.
تجلس أمامه عارية تتأمل التغيرات التي حدثت في جسدها، نبتت لها أسنان كاملة قوية، عاد شعرها كله إلى لونه الأسود القديم، طالت قامتها مرة أخرى، اختفت التجاعيد من بشرتها، استعاد نهداها تماسكهما، وصار باستطاعتها أن تمشي طويلا، وأن تجري، وأن تحمل أي شيء ثقيل، بعد أن كانت تنقل إناء الطعام بصعوبة. لكنها لم تصدق نفسها حين نزل منها الدم أول مرة، ظنته نزيفًا، وحين عاد إليها في الشهر التالي كانت مفاجأتها قوية، ولم تدر ماذا تفعل.
أهل القرية صاروا يخافون المرور أمام حجرتها، يقفون بعيدًا يراقبون الطفل وهو يخرج ليلعب وقد أصبح أطول بشارب ولحية نابتين إذا لم تحلقهما له الخادمة.
النسوة أصررن على معرفة سر عودتها إلى شبابها، فتسللن ليلا ونظرن من فرجات الباب، ورأينها وهي تضاجع الطفل.
لم يعد أحد يجعلها تخدم في بيته، الرجال قالوا إنها مجنونة أو مسحورة، والنساء خفن على رجالهن من جمالها الذي عاد، فصارت تنزل من حجرتها إلى السوق مرة كل أسبوع تتسول طعامهما، وتتحايل على مراودة الباعة لها عن نفسها، لكنها في المرة الأخيرة تركت بائع الأقمشة يقبّلها، وأخذت منه قطعة قماش وإبرة وخيطا، وعادت إلى الحجرة تحوك ثوبًا جديدًا للصغير، بدلا من ثوبه الذي قصر إلى ركبتيه.
مرة أخرى انقطع عنها الدم، أيقنت أنها ستعود عجوزًا مرة أخرى، نظرت إلى ملامحها وشعرها، فلم تجد تغيرًا، انتظرت الشهر التالي فلم يأت الدم أيضًا، بعدها بثلاثة أشهر أكد لها حجم بطنها أنها حامل.
انتقل خبر الحمل بسرعة داخل القرية، تناقلته النسوة، ثم نقلنه إلى الرجال في لحظات المضاجعة رغبة في القضاء عليها، حتى الأطفال ظلوا يتهامسون به في حلقات الدروس.
اجتمع الرجال في بيت كبير القرية وقرروا قتل الخادمة بعد أن يعرفوا الفاعل.
أحضروها موثقة إلى الساحة، واجتمع كل أهل القرية، رفضت الخادمة في البداية أن تذكر اسم الفاعل، لكن قانون القرية هو تعذيب الزانية حتى تعترف، أحرقوا شعرها وأذنيها ففقدت الوعي أكثر من مرة، وفي النهاية أشارت بسبابتها إلى بائع الأقمشة فاقتادوه معها، إلا أنه ظل يصرخ بأنه قبّلها فقط، فألصق التهمة بنفسه أكثر، طبقوا عليهما قانون السفاح: جردوهما من ملابسهما، وقطّعوا أطرافهما الأربعة، علقوهما في نخلتين متجاورتين، بعد أن دهنوا أماكن البتر باللبن والعسل فتعفنت، وتجمعت على جسديهما الحشرات والديدان، ونهشتهما الطيور الجارحة.
في البداية مات بائع الأقمشة، ثم ماتت الخادمة وهي شابة بملامح هادئة، كأنها نائمة فقط، لم يبد عليها أي ألم، وعلى شفتيها ابتسامة تشبه ابتسامة ذكر أقام لديها عامًا كاملا، عشقته وضاجعته كثيرًا حتى حملت منه، دون أن تفكر لحظة أن أب جنينها لم يتجاوز الخامسة من عمره.


ـ 4 ـ

بمجرد أن صدر الحكم بموت الخادمة وبائع الأقمشة جرت النسوة من الساحة إلى غرفة الخادمة، كل منهن تمني نفسها بكفالة الطفل. العجائز كن في المؤخرة يجرين بأقصى ما يستطعن، والشابات واللواتي في منتصف العمر يتدافعن بجذب الشعر واللذع في الأماكن الحساسة. وحين وصل الجمع إلى باب الغرفة الموصد تشاجرن حتى تمزقت ملابسهن وشعورهن، صرن أنصاف عرايا يسيل الدم من أنوفهن وأفواههن وأجسادهن.
لم يتوقفن إلا بعد أن ماتت معمرة القرية.
تسللت من وسط المعركة على يديها وقدميها، لامست باب الحجرة وهمت بدفعه، فوقفت فوق جسدها عشرون امرأة وحطمن عظامها ورأسها بأقدامهن.
حضر الرجال، وحين رأى كبير القرية النسوة عرايا، أمر الرجال أن يديروا وجوههم إلى الجهة الأخرى، والنسوة أن تحاول كل منهن ستر جسدها.
قضى بأن تكفل كل منهن الطفل شهرا، فتعالت أصواتهن بالشجار على من تبدأ ومن تليها، حصر الرجل بيوت القرية فوجدها مائة وخمسين بيتًا، وقال تقترع النسوة على ترتيب الكفالة، لكن العجائز هددن في السر بين النساء بفضح غرض رعاية الطفل، فطلبت النسوة من كبير القرية أن يكون الترتيب تنازليا حسب السن، الكبرى فالأصغر فالأصغر، فتقدمت أكبر عجوز في القرية، ودفعت الباب، ثم خرجت تضم الطفل إلى جسدها وهي تضحك، ثم هرولت به إلى بيتها.


ـ 5 ـ


لم يدرك جدي أنه يحب الخادمة العجوز إلا وهو يضاجع آخر امرأة في القرية.
ظل يبحث مع كل واحدة عما كان يشعر به مع الخادمة، وحين لا يجده يقول لنفسه: ربما مع التالية، وبعد نهاية المائة وخمسين بيتا تجاوز الطفل السابعة عشرة من عمره، وبلغ طوله وحجمه ضعف الرجل العادي، ووصلت لحيته إلى ركبتيه، وزاد عدد سكان القرية مائة وخمسين طفلة، الفرق بين عمر كل منهن ومن تليها شهر واحد، كلهن يشبهن خادمة اتُهمت بالحمل سفاحا من بائع أقمشة ظل يبكي مدافعا عن نفسه وقُتلا معا.
قرر أن يعود إلى حجرة الخادمة التي دفنوها فيها، فلم يجد إلا قبرًا متهدمًا، بنى فوق أنقاضه بيتًا صغيرًا، وحفر قناة صغيرة بين البيت والنهر فتعجب الناس دون أن يتكلموا، لم يعرف الرجال علاقته بنسائهن، وقالوا إن بركته هي التي تعيد الشباب لنسوة البيوت التي سكن فيها، وكانوا يقبّلون يديه إذا لقوه في الطرقات، وحين استقل ببيته البعيد لم يسمح لأي امرأة أن تزوره، وتمر المياه من القناة إلى داخل البيت فيشرب منها ولا يأكل.
يصادق الطيور والحيوانات ويفهم لغاتها، وتسير معه في موكب مهيب في القرية. وعندما يجن الليل يخلع ملابسه ويستحم في النهر، تتلصص عليه النسوة فيقذفهن بالأسماك الكبيرة، يأخذنها ويصنعن منها وجبات لأبنائهن.
ذات ليلة قرر أن يقيم في النهر، فقضى فيه عدة سنوات لا يخرج من مياهه، يصادق الأسماك، وأصحاب القوارب والصيادين، وفجأة قرر الخروج، فخرج، ثم اختفى من القرية. ظلت النسوة يَحُمْن طويلا حول بيته وحول مكانه في النهر حتى تأكد لهن اختفاؤه.
قال أهل القرية إن النهر استرده كما ألقاه على شاطئهم ذات يوم، وقالوا إنه ذكرُ عروس البحر، وقال بعضهم إنه إنسي عادي لكنه غرق في النهر وذهب جثمانه بعيدًا.
بعد سنوات عاد إليهم من جديد، من النهر مرة أخرى، ولكن في قارب كبير محمل بالعطور والحلي وأشياء كثيرة لا يعرفونها، حلق لحيته وارتدى ملابس ليست مألوفة لهم، وحفر على صدره وشمًا ظاهرًا جدا للخادمة.
اقتربت القرية من القارب بحذر، وقف بينهم وقال إن من يريد شيئًا سيأخذه، لكن في مقابل أن يدفع كل ما يملكه ثمنا له: المال والأرض والعقار. ضحك منه الرجال، وقالوا:
ـ من يدفع كل ما يملك في أشياء كهذه؟
لم يرد عليهم، وانتظر.
في اليوم التالي تأتي كل امرأة وهي تجر رجلها فتجبره على أن يدفع كل ما يملكونه في غطاء سرير من الحرير، أو قلادة من النحاس، أو حذاء خشبي، أو ساعة رملية.
حين أصبح وحده يملك القرية بكل ما فيها طردهم منها، وصار يُمضي وقته في بناء سور عال حولها، وبعد أن أتم بناء السور، صار يمشي بالداخل عاريًا، ويرسم على السور من الداخل صوره وهو يضاجع الخادمة، في كل مراحلها العمرية، يكتب اسمها تحت صورتها، ولا يكتب شيئا تحت صورته، لأنه لا يعرف اسمه، ظل يتذكر من قابلهم في القرية وفي سفراته الكثيرة، لكل منهم اسم، حاول أن يجد لنفسه واحدًا فلم يستطع، انشغل كثيرًا، وحين فشل مسح اسمها.
أهل القرية تفرقوا في القرى المجاورة، وأحيانا يعودون ليتلصصوا عليه، يسمع أصواتهم من الداخل، وهو يُمضي عمره في هدم بيوت القرية، يهدمها حجرا حجرا، ثم يلقي بالهدم في النهر.
شيئا فشيئا ظهرت شعيرات بيضاء كثيرة في شعره ولحيته الطويلة، وبدأ جسمه في الذبول. انتهى من هدم بيوت القرية جميعا عدا بيتها الواقع على الطرف، ثم حفر بطول القرية حفرة عميقة، لم يفهم من يتلصصون عليه لماذا يحفرها، حتى قالوا إنه جُن وأهملوه تمامًا.
يحفر بالفأس ويصعد فوق النخلة العالية ليرى ما فعله من أعلى، ويسوي حواف الحفرة بدقة شديدة.
في المرة الأخيرة صعد ورأى الحفرة تشكلت جسدا مهولا لامرأة فتية لها نفس ملامح الخادمة.
هدم السور، وأغلق مجرى النهر، ثم حوَّله بحيث يمر بالحفرة التي حفرها. تغير مجرى النهر وأصبح الماء يجري مسرعا ليدخل من طرفي قدميها إلى ما بين فخذيها، ثم يملأ جسدها ويخرج من فمها مواصلا طريقه نحو مصبه.
نبتت زهور كثيرة حول جسدها، وأصبحت هذه البقعة هي المكان المفضل للعشاق من كل القرى، ارتدى جلبابه، وحمل عصاه وكيس طعامه حتى يخرج من القرية، لكنه حين وصل إلى قدمها، سقط على الأرض، ومات.
أهل القرية تفرقوا منذ زمن، وسكن حول القرية وافدون جدد، فلم يعرفه أحد، تعجبوا من طول لحيته، كفنوه في جلبابه وكيس طعامه، دفنوه ووضعوا العصا شاهدا على قبره، حتى عادوا ووجدوا ملابسه فوق القبر.
بنوا فوقه ضريحًا، ولأنه مات عند قدم المرأة، ولأنهم لا يعرفون اسمه، أسموا ضريحه: "ضريح قتيل السيدة".

الخميس، ٢٦ أغسطس ٢٠١٠


مصر سكر زيادة


كنت أراها سادة، ثم قررت أن أغير رأيي وأراها سكر زيادة.
كنت أنظر إلى الـ90% الفارغ من الكوب، ثم قررت أن أركب نظارة كعب كوباية لأرى الـ10% الجميلة المترسبة في القاع.
مصر جميلة وعظيمة، إذا نحينا الحزب الوطني من الصورة، وتجاهلنا رجال الأعمال الفاسدين، ومعتادي الإجرام ومسجلي الخطر في سجلات الداخلية، واعتبرنا الداخلية نفسها غير موجودة.
مصر جميلة وكبيرة إذا تجاوزنا عن أعضاء مجلسي الشعب والشورى الحاصلين على العضوية بالتزوير، وإذا تغاضينا عن الوزراء الفاسدين والفاشلين والمتكسبين بمناصبهم، وإذا لم نتساءل عن رأي الشعب فيمن يحكمونه، ولا عن مصروف أبناء من يحكمونه، ولا بوستراتهم، ولا رغبتهم الحثيثة في وراثة التورتة.
مصر عظيمة جدا، إذا لم نقرأ صفحات الحوادث التي لا تخلو من جرائم من نوعية: عاطل يقتل أمه لرفضها إعطاءه 20 جنيها لشراء المخدر. وأبو ضحية بولاق يعترف: لست أنا الذي ضاجعت ابنتي وأنجبت منها بل شقيقها. وإذا لم نقرأ الجرائد القومية التي تصدر صفحتها الأولى بمانشيتات من عينة: النمو الاقتصادي بلغ معدلات غير مسبوقة متفوقا على أمريكا واليابان وساحل العاج.
مصر كبيرة، بغض النظر عن القمامة في الشوارع، بغض النظر عن أدراج الموظفين المفتوحة استعدادا لتلقي الرشوة، بغض النظر عن التحرش الجماعي في وسط البلد وشارع جامعة الدول العربية، والتحرش الفردي في المواصلات وأماكن العمل، بغض النظر عن أطفال الشوارع تحت الكباري وفوق الكباري وداخل الكباري، بغض النظر عن الأمثال الشعبية المحبطة من نوعية: اصبر على جار السو، والحرامي الشبعان أحسن من الحرامي الجعان، فيما يتعلق بحكم البلد.
مصر بديعة طوال العام إذا تجاهلنا أوقات الشد العصبي، مثل فصل الصيف بسبب الحر، وفصل الشتاء بسبب البرد، ورمضان بسبب الصيام، والأعياد بسبب المصاريف، ودخول المدارس بسبب الطلبات والامتحانات بسبب التركيز، والنتيجة بسبب أحمد زكي بدر.
والله العظيم مصر رائعة إذا لم نقف عند الأرقام والنسب المئوية مثل 7 ملايين عاطل، و9 ملايين عانس، و3 ملايين طفل عامل، و48 مليون يعيشون في العشوائيات، و3 ملايين مطلقة، و39 مليون تحت خط الفقر، و40 مليون مصاب بفيروسات الكبد المختلفة، و6 ملايين مصاب بالسرطان.
انس كل ما سبق، فربما تكون سادة، وربما يكون 99% من الكوب فارغا، لكن الـ1% المتبقية كافية لنغترف منها معا، لحد ما تخلص.

الاثنين، ٢٥ يناير ٢٠١٠

حفل التوقيع يوم 12 فبراير بمعرض الكتاب



كرسي قلاب.. ممنوع الجلوس أثناء القراءة


صدر حديثا للروائى محمد صلاح العزب كتاب "كرسى قلاب" عن دار أطلس للنشر والتوزيع بالقاهرة.


الكتاب ينتمى إلى الأدب الساخر، وهو مجموعة من المقالات نشرها العزب فى جريدتى الدستور واليوم السابع، تتناول انتقاد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى مصر.


قسم العزب كتابه إلى عدة أقسام حمل الأول منها عنوان "مواصلات" وضع فيها مقالات تتحدث عن هذه المواصلات، أو مفارقات حدثت له داخلها، مثل المقال الأول الذى عنونه " على جنب يا ريس" فيبدأه بالإشارة إلى أن المصريين هم الشعب الوحيد على مستوى العالم الذى ساوى بين رئيس الجمهورية وسائق الميكروباص، عندما تأتى محطتهم ويقولون: على جنب يا ريس.


وفى ثانى أقسام الكتاب المعنون " باب الخلق" تحمل المقالات طابع الزحام والقهاوى وتتحدث عن الأكل فى الشوارع، وعربات الفول والكبدة والسجق، ومحلات الكشرى والفشة ، وقوائم أسعار الساندويتشات، كما يؤكد على أن الفول يحتل المرتبة الأولى عند الفقراء الذى هو بالنسبة لهم الزبدة، واللحمة، كما يعرض للألفاظ التى أشتقها المصريون منه، مثل " فول أوبشن، فول تانك، فول أوتوماتيك.


وأعطى العزب للقسم الثالث من الكتاب عنوان "العبد لله" مؤكدا فى تنويه بخط أصغر "يختلف كثيرا عن العبد للحلويات" وكل مقالات هذا الجزء يتناول فيها المؤلف تجارب ومواقف حدثت له، مثل زيارته لطبيب الأسنان، فى المقال الذى عنونه "حيث لا ينفع الحشو"، وعن شخص ظل يتصل به ويسأل عن " الحاج سيد" فى مقال" نمرة غلط".أقسام أخرى للكتاب حملت عناوين " M.S.A" و" W.C" و" البلد" و" مواسم" وضع فيها العزب مقالات كثيرة ينتقد فيها أوضاع مصر السياسية والإجتماعية وبعض المواقف الطريفة التى رأى فيها لقطات ساخرة مثل مقال " حمام ضرورى للزعماء" الذى يطالب فيه بتنظيف تماثيل الزعماء المتسخة فى الميادين.


ويختم العزب الكتاب بالقسم الثامن الذى حمل عنوان " الداخلية" ويقول فى تنويه آخر تحت العنوان " اسم للملابس التى لا يجب أن تظهر أمام الآخرين وللوزارة التى تجرد المواطنين من هذه الملابس".العزب كاتب مصرى من مواليد 1981، صدر له من قبل: لونه أزرق بطريقة محزنة "مجموعة قصصية"، وسرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء، ووقوف متكرر، وسرير الرجل الإيطالي، "روايات".


نقلا عن اليوم السابع