الثلاثاء، ٣٠ أكتوبر ٢٠٠٧

الشَّهْوَةُ امْرَأَةٌ لَهَا عَشِيقَانِ
يَتَبَادَلانِ السَّفَرَ والإِقَامَةَ؛
لأَنَّهَا لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْكُثَ طَوِيلاً
دُونَ رَائِحَةِ عَرَقٍ رُجُولِيَّةٍ
فَوْقَ فِرَاشِهَا
/
/
من رواية
سرير الرجل الإيطالي
تصدر قريبا عن دار ميريت

الجمعة، ١٩ أكتوبر ٢٠٠٧

دعوة - كالعادة - عامة








تقيم مكتبة الكتب خان بالمعادي الجديدة ندوة حول رواية وقوف متكرر يوم الأربعاء القادم 24 أكتوبر
العنوان 3/1 شارع اللاسلكي المعادي الجديدة
الدعوة عامة جدا
بالأعلى خريطة المكتبة لتسهيل الوصول إليها
لمزيد من الاستفسار الاتصال بالمكتبة على 25194807
******************************************
تحديث
نظرا لعدم معرفة الكثيرين - وأنا منهم - طريق الوصول إلى المكتبة اتفقنا - الأصدقاء وأنا- على أن نلتقي على مقهى التكعيبة من الخامسة إلى الخامسة والنصف، ثم نتحرك معا بربطة المعلم إلى هناك
وهذا أسهل وأفضل
في انتظاركم على التكعيبة أو في الندوة أيهما أسهل

الخميس، ٤ أكتوبر ٢٠٠٧




في فبراير المقبل قد يكون معي 50 ألف دولار.. أو 10 آلاف..

وربما يتعين عليّ أن أمسك بهاتفي حتى أهنئ واحدا آخر

البوكر العربية.. الجوائز الجديدة صالحة لإثارة الدهشة


- 1-
منذ أشهر كنت أجلس على النت ينقلني موقع إلى موقع ومنتدى إلى زميله ومدونة إلى أخرى، وإذا بإعلان يفتح أمامي كأنما تصاحبه آلات عزف نحاسية في مسرحية كلاسيكية، لإعلان خطورة المشهد التالي: إعلان بخط "تهامة" ببنط "48" باللون البني: "جائزة البوكر العالمية تطلق فرعا جديدا للرواية العربية"، حاولت تجاهل العزف الصاخب، نزلت بالماوس أبحث عن الشروط وطريقة الإرسال والعنوان، فلم أجد شيئا، كل الموجود أن مؤسسة كذا بالتعاون مع مؤسسة كذا تحت رعاية كذا قررت فتح فرع جديد للبوكر، دون أي معلومات.
في نفس الليلة اتصل بي كاتب صديق، وسألني:
سمعت عن البوكر العربي.
آه
هتقدم فيها؟
انت عرفت شروطها؟
لأ.
ولا أنا.
في آخر الليلة ضحكت وقلت لنفسي:
هاهو محل آخر يتخلى عن العبارة المقدسة: "ليس لنا فروع أخرى".
- 2 -
في بداية يونيو الماضي كنت في دار "ميريت"، سألني "محمد هاشم":
عاوز "وقوف متكرر" تدخل اللجنة اللي هترشح الروايات بتاعت البوكر يا عزب؟
المشكلة أن هناك أكثر من 20 رواية في ميريت تنطبق عليها الشروط، وعلى "هاشم" أن يختار ثلاثة فقط من بينها، فكرت أن أعفي نفسي من حرج احتمال ألا تختار اللجنة روايتي،ترددت للحظة، ثم رجعت وقلت له:
اللي تشوفه.
جلسنا بعدها، كان هناك أحد الروائيين الشباب غاضبا جدا، وطوال الجلسة وهو ينفخ ويقلب وجهه، ويحاول بكل الطرق أن يعلم الموجودين أنه "شايط"، سألت أحد الأصدقاء في أذنه:
هو الأستاذ ماله؟
أصله متضايق من حكاية اللجنة.. وعاوز روايته تترشح مباشرة.
جلس هاشم بعيدا خلف مكتبه، وهو يعد أكثر من خمسة أكوام من الروايات، وعنما رآني أنظر إليه، قال:
دي الروايات اللي رايحة اللجنة.
حاولت أن ألمح "وقوف متكرر" وسط كل هذا العدد من الروايات فلم أتمكن.
كانت رواية الكاتب الغضبان على الوجه في كل الأكوام، نظرت إليه فوجدته ممتعضا، كان يشعر بنفسه عظيما جدا لدرجة أنني أحسست أنه سيقوم وينزل علينا جميعا ضربا وسبابا، ولم أستبعد أن يطردنا جميعا من دار "ميريت"، وأولنا "محمد هاشم" نفسه.
- 3 -
في يوم الخميس 25 يونيو ذهبت إلى "محمد هاشم" وقد نسيت تماما كل ما يتعلق بالبوكر، سلمت عليه فقال:
انتو هتفتحوا النار عليا.
كثيرا ما يتكلم "محمد هاشم" ولا أعرف ما يتكلم عنه، حاولت أن أفهم ضمنيًّا فقلت له:
قصدك على مين.
فقال:
انتو.
طبعًا لم أفهم، قلت له:
نار إيه؟
فقال:
النتيجة دي هتخلي ناس كتير من أصحابي يتضايقوا مني ومش بعيد يقاطعوني.
لم أفهم شيئًا، وتأكدت أنني مهما سألته أية أسئلة أخرى فلن أخرج بأي شيء فهززت له رأسي وسكتُّ.
بعدها بقليل قال:
آدي انت أول واحد تعرف أهو أنا عاوز أتصل بـذكري وإدريس.
ضحكت في نفسي وقلت له:
يا عم أنا مش عارف أي حاجة ومش عارف أنت بتحكي في إيه من الصبح.
فقال:
يا جدع ما انا قلت لك.. اللجنة بتاعت البوكر اختارت الروايات الثلاثة خلاص.. انت ومصطفى ذكري وإدريس علي.
العلاقة بيني وبين "محمد هاشم" علاقة طيبة وقوية إلا أنها ليست الأطيب أو الأقوى، وعلاقاته مع كثير من الكتاب الذين دخلت كتبهم إلى اللجنة أقوى مني بكثير، ومعظمها جيدة فعلا، ولهذا فمن البداية تصالحت مع نفسي وقلت إنني لن أكون ضمن المرشحين ونسيت الموضوع كله، لهذا عندما أخبرني شعرت أنني انفصلت عن المشهد، كان "محمد هاشم" قابعا خلف مكتبه الكبير المختفي خلف الدخان، ربما كان يتوقع مني أن أعلق بأي تعليق، أو أشكره على الأقل:
فقال:
إيه يا ابني مالك ساكت كده ليه.
فقلت على الفور:
أنا كنت فاكر أصلا أنك ماوديتش روايتي اللجنة.
- 4-
في نفس اليوم اتصل "محمد هاشم" بـ "مصطفى ذكري" الذي اختارت اللجنة روايته "الرسائل" وجاء ذكري، وحاول هاشم الاتصال بـ "إدريس علي" صاحب "تحت خط الفقر" فلم يتمكن من العثور عليه، اليوم خميس 26 يونيو وآخر موعد لتلقي المشاركات 31 يونيو، والجمعة إجازة، والبريد السريع يأخذ 4 أيام في المتوسط، فلم يكن هناك مفر من إرسال المشاركات هذه الليلة بأية طريقة.
بعد فترة طويلة ومن خلال عدد من الوسطاء، توصلنا إلى "إدريس علي" قال له هاشم:
ازيك يا عم إدريس عايزينك تيجي دلوقتي عشان البوكر والتوقيع والاستمارة...
ثم سكت طويلا وقال:
ماشي يا عم إدريس بالتوفيق بالتوفيق.
بعد أن أغلق السماعة قال لنا إن "إدريس علي" اعتذر لأن المجلس الأعلى للثقافة رشحه برواية أخرى. ثم ذهب "هاشم" إلى المكتب وأخرج أجندة قديمة مليئة بأوراق مطوية مدسوسة بين صفحاتها، وقال إن "ياسر عبد الحافظ" هو الأحق بمكان "إدريس علي" برواية "بمناسبة الحياة"، كنت صامتا إلا أن تبادل المواقع بينهما أراحني بشكل شخصي، لم أكن أنظر إلى الأمر باعتباره مسابقة ومراكز وجوائز مالية، كنت أنظر إليه على أنه رحلة، ولم يكن خيالي يستوعب فكرة أن يخرج معنا عم "إدريس علي" الرجل الكبير؛ لذا فرحت بخبر ترشيح "ياسر عبد الحافظ" ورغم أنني لا أعرف "ياسر" معرفة شخصية، وربما لم نلتق قبلها إلا بشكل عابر توليت أنا مهمة الاتصال به، وأخبرته بالظروف وأننا لابد أن نرسل الأعمال فورًا، فقال أنا في السينما لكنني سأخرج وآتي حالا.
في هذه الأثناء كان أحد الروائيين الذين لم يتم ترشيحهم جالسًا، الكلام كله يدور بطريقة مستترة، وصاحبنا جالس في تحفز من يشعر أن هناك مؤامرة تحاك ضده، لكنه لم يتكلم لأن الموضوع لم يفتح أمامه.
اطمأننت إلى وجود هاشم وذكري وإلى وعد ياسر بالمجيء خلال أقل من ساعة، فانصرفت مطمئنا إلى أن الأعمال سترسل الليلة.
بعدها سمعت أن الروائي الذي كان جالسا في وضع متحفز قام واعترض بطريقة مبالغ فيها على عدم ترشيحه، وهدد "هاشم" بإقامة دعوى قضائية ضده ، وهو ما استخدمته بعض الصحف بطريقة مثيرة مدعية أنه قام بتحطيم الدار، وأنه أمسكه من رقبته وكاد يقتله.
استغربت جدا، لأن هذا الروائي له عمل جيد ترجم إلى الإنجليزية وفاز بجائزة كبيرة، ولم يكن هناك أي مبرر لمثل هذا التصرف،.
كل هذا حدث بعد أن انصرفت وحين سمعته لم أصدق، لكن ما صدقته أن روائيًّا آخر يعتقد أنه أبو الرواية الحديثة، ولديه ثقة تامة بأنه سبب الانفجار الروائي العربي، وعنده قناعة مطلقة بأن كل الذين كتبوا بعده تأثروا به جاء إلى دار "ميريت" عاصفًا، وقال لهاشم بالحرف الواحد:
إذا ما رشحتنيش أنا هطلع عليك سمعة زي الزفت في مصر ولبنان.
دون أن ينتظر ليحدد لماذا لبنان بالذات!
-5-
يوم السبت عصرا اتصلت بـ "مصطفى ذكري" في البيت، فأخبرني أنه لم يتمكنوا من إرسال الأعمال وأنهم اتفقوا أن نتجمع في "ميريت" يوم الأحد ظهرًا لإرسالها.
الأحد، وصلت عند "محمد هاشم" ثم جاء بعدي بقليل ياسر عبد الحافظ وظل ذكري ربما يكون مغلقًا حتى الرابعة عصرًا، ثم استيقظ من النوم وجاء في الخامسة.
قبل أن يأتي ذكري كنت أنا وياسر ومعنا الشاعر وائل السمري نزلنا وذهبنا إلى مكتب البريد الرئيسي بالعتبة، وزن لنا الموظف بشكله البائس وملابسه القديمة الكتب، وقيَّمها، ثم أجرى اتصالا بعد أن رأى العنوان، وجاء إلينا ليقول:
العنوان في "جونية"، والشركة اللي احنا بنتعامل معاها ما بتغطيش هناك.. عليكم وعلى الدي إتش إل.
خرجنا من عنده، متوجهين للشركة الأخرى، فرحب بنا الموظف الأنيق الذي لا يوجد أي وجه شبه بينه وبين الأول، نصف كلامه كان بالإنجليزية، فتولى ياسر مهمة التفاهم معه، في النهاية قال إن الشركة لا تتعامل مع أي عنوان به صندوق بريد:
- لازم عنوان تفصيلي منطقة وشارع ورقم بيت.. احنا الشعار بتاعنا أصلا من الباب للباب.
حاول ياسر إقناعه أن هذه جائزة عالمية وأن كل الناس من كل الدول العربية أرسلوا على هذا العنوان، والموظف الأنيق الذي يبدو وكأنه حصل على البوكر عدة مرات حتى استطاع الوصول إلى هذه الأنفة يهز رأسه بأن طريقنا مسدود مسدود.
المشكلة أن اليوم 29 يونيو وآخر موعد هو 31، فكان شعورنا بالمسئولية عارما، الموضوع متعلق باسم مصر وروائيي مصر. دخلنا إلى مطعم فلفلة أكلنا شاورمة ومكرونة فرن وبطاطس، وخرجنا ونحن نضحك.
- 6 -
جاء ذكري، واستطعنا الحصول على العنوان التفصيلي لمقر الجائزة، اتصلنا بمندوب شركة البريد السريع، فجاء يحمل حقيبة كبيرة على كتفه، كان عرقان وملابسه متسخة، قبل أن يجلس قال:
أصل أنا جاي مشي.
تبقى من المبلغ سبعة جنيهات، فكان حلم المندوب أن نتركها له، ففوجئ بذكري ينفحه عشرة أخرى إضافية، قال:
لأ.. ده حضراتكم اللي لسه ليكم باقي.
عندما فهم أن السبعة عشر جنيها كلها له قال:
أنا هغلفها لكم وألفها واظبطها.
ثم خرج مسرعا، حتى لا يرجع ذكري في كلامه.
- 7-
فجأة بعد إعلان أسماء المرشحين من ميريت فوجئت باتصالات وإيميلات ورسائل كثيرة كلها تهنئنئ بالبوكر، جاءني أول اتصال من كاتب صديق (غير الأول)، كان صوته فرحا وهو يكلمني، ثم قال:
ألف مبروك.
الله يبارك فيك.. على إيه؟
على البوكر.
هي النتيجة ظهرت.
لأ.. على الترشيح.
بعدها تعودت على استقبال مكالمات عديدة مماثلة، كنت أود أن أقول لأصحابها:
انتوا فاهمين غلط.. المباركة بتبقى على الفوز مش على الترشيح.
ما أعجبني أكثر أنني تعرفت عن قرب بمصطفى ذكري وياسر عبد الحافظ وهما في الحياة مثلهما في الكتابة، كل منهما جميل، لكن في منطقة وحده.
كثيرون هاجموني وهاجموا كتابتي بعد الترشيح من أمامي ومن وراء ظهري، وفي كل الأحوال كنت لا أرد.
الطريف أن كاتبا من كتاب الأقاليم قابلني مرة على قهوة التكعيبة، كنت أول مرة أتعرف عليه، سلَّم عليَّ بتعال شديد، وقال:
انت مترشح بوكر؟
فهززت له رأسي بالإيجاب.
فشد جسده وقال باعتداد:
أنا كمان واخد جايزة قصور الثقافة.

الجمعة، ٢١ سبتمبر ٢٠٠٧


حد يطول يبقى باشا؟



كنت أسير مبتهجا ومنتشيا، رغم عدم وجود أي شيء يدعو للبهجة أو الانتشاء، أدندن بأغنية "مابيسألش عليا أبدا"، وأنا أسأل نفسي:
اشمعنى الأغنية دي بالذات؟
فكرت أن لدي حق في أن أسأل نفسي هذا السؤال، فهذه الأغنية لم أسمعها منذ سنوات، وليس لدي واحد ما بيسألش عليا أبدا، التأبيد هنا مسألة مرفوضة قطعا، لأن أي واحد ما بيسألش عليا أبدا، ليس له إلا ردا واحدا مأثوراعن الفنان المشهور بحكمته فريد الأطرش: "اللي ينساك انساه".
كنت أغني وأسرح بخيالي في هذه المنطقة الـ"أبيض وأسود" وأشعر أنني قديييييم جدا، أحاول أن أخشن صوتي حتى أصل لنبرة صوت كروان الإذاعة محمد عبد المطلب.
فجأة سار بجواري رجل خمسيني قصير وبدين، قال:
كل سنة وانت طيب.
استغربت منه، إلا أن حالة الانتشاء الداخلي الموجودة عندي جعلتني أعذره، قلت: هاهو إنسان آخر يشعر بحالة انتشاء فقرر أن يشرك فيها إنسانا زميلا يسير في الشارع يدندن، فكرت في المناسبة فلم أجد، قلت له:
وانت طيب يا حاج.
وواصلت: "كان بينا كلام وحديت وغرام ولا في الحواديت"، العملية داخل الأغنية في طريقها للسخونة، إلا أن الرجل مازال محافظا على خطوته بمحاذاة خطوتي:
كل سنة وانت طيب يا أستاذ.
نظرت إليه وقلت له:
عمري ما حيرته أبدا.
كرر باستفزاز:
كل سنة وانت طيب يا باشا.
أنا مش باشا يا عم.. وقلت لك كل سنة وانت طيب.. خلاص.
- ويعني هي باشا دي حاجة وحشة.. هو حد يطول يبقى باشا.. كل سنة وانت طيب بقى.
يعني ايه بقى.. وانت طيب يا سيدي.
يا أستاذ كلك ذوق.. كل سنة وانت طيب.
عاوز ايه يعني؟
والله انت وذوقك.
كان يرتدي قميصا نظيفا ومكويا ويدخن سيجارة كليوباترا ويلبس نظارة بلاستيكية مكسورة من المنتصف وملحومة، قلت له:
الله يساهلك.
هو انا بشحت.. عيب يا أستاذ ده أنا بقولك كل سنة وانت طيب.
يللا يا عم امشي من هنا.. مش هديلك حاجة ما تتعبش نفسك.
نظر إلي من فوق لتحت، وقال:
وانا عمال من الصبح أقولك كل يا أستاذ ويا بيه وكل سنة وانت طيب، خلاص يا عم كل سنة وانت مش طيب.
وانصرف.

الأحد، ١٦ سبتمبر ٢٠٠٧

كولد ينتظر بنتا في الغالب لن تأتي
يبدو من هيئة البنت أنها تقف في انتظار ولد ما
أول ما فكرتَ فيه أن تدقق النظر في يديها، لم يكن ذلك سهلا، فالبنت المتوترة من طول الانتظار لم تترك يديها مباحتين لنظرك؛ مرة تشبكهما خلف ظهرها، ومرة تضعهما داخل جيبي الجاكت القصير الذي ترتديه، ومرة تسوي ملابسها من الخلف.
لكنك في النهاية أدركت أنها لا تلبس خاتم خطوبة أو زواج.
لم تكن جميلة، وطريقة ربطها لشعرها الخشن تجعلها تبدو كطفلة في الابتدائية لم تهتم أمها بتصفيف شعرها، وبنطلونها الجينز محبوك على فخذيها فبدت ممتلئة قليلا.
ضبطتك وأنت تتأمل جسدها دون أن تظهر أنها تضايقت، أشحت بوجهك، وظل كل منكما يختلس النظرات إلى الآخر ليرى هل ينظر إليه أم لا. وعندما تتلاقى النظرات يصطنع كل واحد كأنما لم يكن ينظر.
لم يكن موقف الأتوبيسات الذي تقفان فيه مزدحمًا، وبائع المناديل كلما مر بكما ينظر إلى جسدها، وينادي على بضاعته، فشعرت أنه يفهم ما بداخلك تمامًا.
مر بعض الوقت، تململت البنت وأكثرت من النظر في ساعتها، وظلت تتمشى في حيز مترين أو ثلاثة، فأتاحت لك رؤية جسمها من جميع الزوايا.
لو أنها تنتظر ولدا لا يأتي، فتنتقم منه بأن تذهب معك.
بدأت تشد أطراف شعرها المجعد في عصبية متشاغلة عنك، وبائع المناديل يواصل نداءه اللزج وليس هناك غيركما تقريبا.
فكرت أنها صيدك الليلة، ولن تدعها تفلت تحت أي ظرف، اقتربت منها قليلا مركزا نظرك في عينيها.
تبادلت معك نظرات قصيرة، وعندما أتت حافلتك لم تركب، وتمنيت لو ترجو بائع المناديل فيكف قليلا عن الصياح.
تحركت هي ببطء إلى الكشك القريب، أعطتك ظهرها وهي تتكلم في التليفون حتى لا تفهم ما تقول، بدت حركاتها عصبية، وانفعالها يتغير بسرعة بين الغضب والهدوء، حتى أغلقت السماعة بقوة ضايقت صاحب الكشك، وانصرفت ناسية أن تدفع للرجل النقود، فترك مكانه وخرج مندفعًا خلفها.
وجدتها فرصتك، تدخلتَ لتهدئة الرجل، تناولتَ منها النقود وأعطيتها له، وهي تقريبا منفصلة عنكما، اقترب بائع المناديل وقد أشعل سيجارة وكف عن ندائه السمج على المناديل المعطرة.
سرت خلفها مبتعدا عن البائعَيْن اللذين تضامنا في سب زبائن هذه الأيام.
اقتربتَ منها وقلت:
ـ رجل لسانه طويل.
فلم ترد عليك، وأبطأت قليلا، فكرت هل تكمل السير خلفها أم تتراجع،
قلت:
ـ لكن أنت معذورة... شكلك سمعت خبرا سيئا في التليفون.
لم ترد عليك وأسرعت من مشيها، حتى سارت بخطوة عادية وكأنك غير موجود.
وقفتَ للحظة لا تدري ماذا تفعل، وهي تواصل الابتعاد عنك، حتى جلستْ على آخر كرسي في المحطة وهي شاردة.
جلس بائع المناديل مع صاحب الكشك وفي يد كل منهما زجاجة مياه غازية، وأتت امرأة عجوز تطلب أي حسنة فلم تعطها شيئا وقلت لها:
ـ ربنا يسهل لك يا حاجة.
صرفت من ذهنك صورة البنت، وقررت أنك لن تكلمها، وعندما أتت حافلتك ركبت، كانت المرأة العجوز قد وقفت إلى جوارها، فتحت البنت حقيبة يدها ودست في يدها شيئا. صعد بائع المناديل إلى الحافلة التي لم يكن بها سواك، وظل ينادي على مناديله الناعمة، والحافلة منصرفة لمحت البنت تبحث عنك بعينيها في الميدان الواسع.

الخميس، ٣٠ أغسطس ٢٠٠٧

التكعيبة
تعرف أحمد ليبتون؟ تعرف أشرف ليبتون؟ تعرف أسامة؟ تعرف شارع النبراوي، المتفرع من شارع شامبليون، المتفرع من عبد الخالق ثروت، المتفرع من شارع رمسيس؟ تعرف رمسيس؟ تعرف الإسعاف؟ تعرف تدخل من جنب نقابة المحامين، وتخلي نقابة الصحفيين على شمالك وتعدي الطريق وتدخل في أول يمين؟
لو ما تعرفش أديك عرفت.
بمجرد دخولك إلى شارع شامبليون، تبقى دخلت سرة وسط البلد، خليك ماشي، هتعدي على كشري أبو طارق، مالكش دعوة بيه، خليك ماشي لحد ما تلاقي قدام شوية على اليمين قصر قديم مهجور، ادخل من الشارع اللي قبله، هتلاقي شوية ناس قاعدين على كراسي بلاستيك قديمة، ناس شعرها طويل، وهدومها مبهدلة، ناس ببدل كاملة، وحاطين على شهرهم بيريل كريم، صنايعية وبياعين، ولاد وبنات، ستات ورجالة، مصريين وأجانب وعرب، حياة تانية خالص.
اقعد استريح، الجو حر ورطوبة أنا عارف، خمس دقايق والدنيا تطري، عجبك المكان؟ لأ؟ عجبك الجو؟ مش قوي، تبقى مش فنان، يا أستاذ ركِّز لو سمحت، المكان اللي انت قاعد فيه دلوقتي ده، وعمال تتلفت حواليك وعامل نفسك من مرتادي شيراتون هليوبوليس من أهم الأماكن التاريخية في مصر (باعتبار ما سيكون)، التكعيبة مرحلة مهمة جدا في حياة أي مبدع جديد، ممكن تستمر علاقته بيها أو ما تستمرش، مش دا المهم، المهم ان كله لازم يعدي من هنا، صحفيين، ومخرجين، وكتاب، وشعرا، ورسامين، وممثلين، وفنانين من كل الأنواع، والأجناس والملل.
مالك عمال تبص حواليك كده ليه؟ همَّ دول؟ آه همَّ دول، ماتستعجلش، كلها كام سنة وكتير من الناس دول مش هتعرف تتكلم معاهم، سنين قليلة مش كتير، والصف اللي قاعد على الكراسي المعنوية في كل المجالات الفنية والثقافية هيقوم، والناس اللي قدامك دول هيقعدوا، وحتى لو القدام ما قاموش الناس الجداد دول هيشيلوا الكراسي البلاستيك بتاعتهم وهيروحوا يقولولهم اتاخروا شوية، وسعوا كده، ساعتها الجمهور هيلاقي ناس قديمة عليها تراب قاعدة على كراسي جلد فخمة، ومالهمش دعوة بيهم، وناس قاعدة على كراسي بلاستيك وعندهم حاجات حقيقية عاوزين يقولوها، ساعتها أكيد الكراسي البلاستيك هتنتصر
إلحق خد لك كرسي

الخميس، ٢٣ أغسطس ٢٠٠٧

اطفي النور
الخروج من الأبواب الضيقة شيء رائع.
الكل يحلم بالخروج من الأبواب الضيقة، وهو حلم مشروع وجميل، وليس على أحد جناح إذا قرر الخروج منها.
المشكلة أن هذه الخنقة تحولت إلى ظاهرة، كل ما ترى واحدا مكتئبا وتسأله:
مالك؟
يرد عليك وقد قلب ملامح وجهه مثل قطعة قماش قديمة في مسمط:
نفسي يا أخي أخرج من الأبواب الضيقة.
هذه الحالة العامة جعلت مطربا كبيرا مثل "محمد منير" يغني أغنيته الشهيرة: "اخرج م البيبان الحر الضيقة".
كل ما أسمع هذه الأغنية أشعر أنني أريد أن أتمشى على النيل أمام "رمسيس هيلتون" بمفردي مستمتعا للغاية بزهقي، وليس لدي أي براح نفسي أو عاطفي لأي شيء ولا حتى للنظر إلى بنت ألمانية طويلة وجذابة ترتدي ما يمكن أن نطلق عليه بنوع من المبالغة "لباس بحر".
حالة الأبواب الضيقة هذه تنتابني كثيرا خصوصا في الصيف، لكن فكرة الخروج منها لا تكون متاحة دائما، فالحياة لا تمنح الواحد منا رفاهية السير على الكورنيش 4 أو 5 مرات أسبوعيا، خصوصا أن البنت الألمانية التي لا تفرق بين شاطئ نهر وشاطئ بحر لن تكون موجودة دائما.
لكن يظل حل سحري للمشكلة لم يتوصل إليه "محمد منير"، وأقترح عليه أن يضعه في حسبانه في ألبوماته القادمة.
أول ما تنتابك حالة الأبواب الضيقة، أغلق عليك الباب من الداخل بالمفتاح جيدا (6 سَكَّات لو أمكن)، أغلق هاتفك المحمول، انزع فيشة تليفون البيت، أطفئ نور الشقة كله، اخلع ملابسك بالكامل، اصعد على السرير، تمدد على ظهرك، افرد ذراعيك على آخرهما، أفسح قليلا بين قدميك، بحيث يبدو شكلك النهائي كمصلوب ليست لديه خبرة كافية، أغمض عينيك بقوة، استرخ، لا تفكر في أي شيء، وخصوصا البنت الألمانية (من أدراك أنها ألمانية أصلا)، اصرخ بأعلى صوتك:
يعني إيه أصلا البيبان الضيقة؟ المكان هو اللي بيبقى واسع أو ضيق، لكن البيبان مجرد ممر.. ما فيش حاجة اسمها البيبان الضيقة.
خلاص؟
يمكنك أن تضيء النور.