البرومو 1 لرواية سيدي براني
الكتابة طفل صغير يلعب طوال اليوم عاريًا ولا يسمع الكلام
محمد صلاح العزب: الحكاية جوهر الحياة
حوار : أحمد ناجي - أخبار الأدب
قبل أن نبدأ الحوار يصارحني محمد صلاح العزب محذراً "أنا لا أجيد الحديث عن أعمالي، عموماً أنا أتقن الكتابة لكني لا أجيد الحكي الشفاهي" ربما يكون هذا هو السبب الذي دفع العزب إلي السعي لتجريب استخدام أسلوب الحكي الشفاهي في كتابة روايته الجديدة التي صدرت مؤخراً عن دار الشروق بعنوان "سيدي براني".
في "سيدي براني" يخرج العزب من ثوبه القديم محاولاً تقديم عمل جديد مختلف علي كل المستويات عن كل أعماله السابقة. فالعزب الذي دارت معظم رواياته السابقة في أجواء المدينة وشوارعها يختار هذه المرة منطقة صحراوية نائية علي أطراف الحدود المصرية "سيدي براني" مسرحاً لأحداث رواياته. وحتي أسلوب السرد يأتي هذه المرة مازجاً بين الحكي الشفاهي حيث الحفيد يقابل مريم علي شاطئ سيدي براني ليبدأ في سرد حكايته وحكاية الجد وناس سيدي براني.
-ربما تكون هذه هي المرة الأولي التي تأتي "سيدي براني" كمكان لرواية مصرية، كيف وقع اختيارك علي هذا المكان؟
-هناك قصة شخصية تربطني بسيدي براني، فحينما كنت صغيراً انفصل جدي عن جدتي وغادر القاهرة فجأة مقرراً الحياة في سيدي براني. رغم ذلك حافظنا علي العلاقات الأسرية معه وكان والدي يزوره بانتظام، وحينما كان عمري 8 سنوات تقريباً قرر أبي أن القاهرة أصبحت مدينة مزدحمة، ملوثة، والحياة فيها مزعجة. بعنا شقتنا وكل ما يربطنا بالقاهرة وسافرنا للحياة في سيدي براني. كانت الحياة هناك قاسية وصعبة جداً خصوصاً بالنسبة لأطفال صغار السن فلم يكن هناك أي وسيلة من وسائل الترفيه، لا تلفزيون أو راديو. بعد ثلاثة أشهر عدنا مرة ثانية إلي القاهرة بينما ظل الجد هناك. لكن التجربة ظلت محفورة في ذهني كأنها حلم قديم.
كنت مشغولاً بالسبب الذي دفع جدي للانتقال إلي هناك وقضاء 30 سنة من عمره في الصحراء حيث عمل كمسئول توريد الطعام والشراب لوحدة عسكرية، كنت دائماً مندهشاً كيف يضيّع إنسان كل هذه السنوات من حياته وكأن لديه حيوات أخري.
منذ حوالي سبع سنوات بدأت في كتابة بعض تفاصيل تلك التجربة، ثم منذ حوالي عامين انغمست في العمل بالرواية لتظهر بشكلها النهائي بعد ثلاث روايات بالرغم من أنها كانت روايتي الأولي.
>>>
في مقطع من الرواية يقول الحفيد"سمعته دون أن يدخل الصوت أذني، وكلمته دون أن أفتح فمي، قال: احك، قلت: ماذا أحك؟ قال: احك، قلت: أيّ حكاية؟ قال: احك، قلت: الحكاية مثل شبكة صياد يحب الجميع السقوط فيها، من يملك حكايات أكثر يملك عدداً أكبر من المُنصتين، ومن يملك حكاية ساحرة يعود إليه من يحبهم مهما ابتعدوا عنه"
يعبّر الجزء السابق عن واحدة من الأفكار الرئيسية التي تطرحها الرواية حيث الحكي هو الفعل الأسمي والأهمّ، فطوال الرواية يتحاشي العزب طرح أي أفكار، ويترك الحكاية تجرّ القارئ بخيوطها. يبدي العزب امتعاضه من الروايات القائمة علي الأفكار قائلاً: "أنا لا أحب الروايات القائمة علي الأفكار التي هي أشبه بالمقال، وأعتقد أن قدرة الروائي وجوهر عمله الفني هو التعامل مع الحدوتة وتحويلها إلي رواية ذات بناء فني."
- هذا الإيمان المطلق بقدرة الحكي.. ألا يحول الرواية إلي حدوتة شفاهية، ما الفرق في هذه الحالة بين الرواية كنوع فني ظهر مع الحداثة ويُقدّم كوعاء حامل للأفكار، والحدوتة باعتبارها قصة للتسلية؟
-لا أحب استخدام الألفاظ المباشرة أو الصريحة في وصف الجنس، ورغم ذلك تتعرض رواياتي للكثير من الهجوم بسبب أن البعض يراها روايات جنسية أو بذيئة. لست ضد استخدام الألفاظ الصريحة، لكني لا أحب استخدامها، ولا أحتاج لها.
-أحد الانتقادات التي توجه لأعمالك أنها تنطلق من وجهة نظر شديدة الذكورية، عدد كبير من الشخصيات النسائية في الرواية تظهر بصفتها فقط مفعولاً بها، بمجرد مضاجعة الجد لهن تعود النساء لشبابهن.. ما رأيك؟
-أتعامل مع الجنس من جانبي أنا، أو من وجهة نظر الشخصية التي أروي علي لسانها أو عنها، وأبطال معظم شخصيات ذكور لذلك طبيعي أن يأتي وصف الجنس في الروايات ذكورياً. وأنا كنت لا أظن أن هذه سمة أساسية في أعمالي، في "وقوف متكرر" مثلاً كل العلاقات فاشلة، في "سرير الرجل الإيطالي" مقابل فحولة الرجل الإيطالي..هناك الشاب العاجز عن التحقق جنسياً. أما في "سيدي براني" فستجد أن معظم الشخصيات النسائية شخصيات فاعلة، بداية من مريم التي تستطيع أن تسافر وحيدة وتنفصل عن سطوة الأب والأم والخالة، وحتي غزالة التي رغم كل المصائب التي تصيبها تحافظ علي تماسكها، وهي شخصية فاعلة في كل الأحداث.
>>>
-لماذا تتفادي في كل أعمالك ذكر أي خلفية سياسية أو طرح أيدلوجي؟
-أعتقد أن كل الروايات سياسية، لكن لا يوجد داع أن أضع أسماء بعض المسئولين أو مقاطع من الأخبار والجرائد كما يفعل البعض.
في الرواية أنا أكتب وجهة نظر شخصيات الرواية، ومعظم شخصيات رواياتي ليسوا سياسيين، بل مواطنون عاديون يتعاملون مع السياسة وتؤثر في حياتهم، وما يهمني هو أثر السياسي علي مجريات حياتهم وأفكارهم.
-كنت من أبرز الأسماء التي تم تقديمها بصفتها تمثل الرواية الجديدة أو جيل الألفية، لكن الآن تخرج بعض التصريحات من روائيين كبار تحذر من قرب موت الرواية الجديدة، والبعض يري أنها مجرد ظاهرة عابرة، بل روائي آخر كبير دعي الكتاب الشباب إلي التخلي عن هذا النوع من الكتابة لأنها غير مفيدة للأدب.. ما رأيك؟
-طوال الوقت كنت أسخر من هذا المصطلح، إذا كانت هذه هي الرواية الجديدة، فبعد خمس سنوات ما الذي سيحدث؟ أعتقد أن فكرة تقسيم الأجيال وابتكار مصطلح الرواية الجديدة هو نوع من الاستسهال من جانب بعض النقاد والصحفيين. فالكتابة عمل فردي، ولا يمكن تقسيمها بأجيال تتغير كل عشر سنوات.
لكن في نفس الوقت أعتقد أن الروايات التي ظهرت بعد الألفية لها سمات مختلفة بحكم ظهور تقنيات جديدة بما فيها كتابات جيل الستينيات والتسعينيات. إبراهيم أصلان أو محمد المخزنجي مثلاً في رأيي يكتبون رواية جديدة.
Posted by
محمد صلاح العزب
at
١٢:٠٤ ص
1 comments
Posted by
محمد صلاح العزب
at
١١:٣١ م
1 comments
د. شيرين أبو النجا تكتب عن سيدي براني: محمد صلاح العزب يعيد إلى الحكاية سطوتها
نقلا عن الحياة اللندنية
محمد صلاح العزب هو أحد الكتاب الشباب وإن كان من أبرزهم، بدأ كتابته في فترة أثارت الكثير من الجدل على كافة المستويات وهى بداية الألفية الثانية، فصدر كتابه الأول وهو مجموعة قصص، عام 2003 بعنوان «لونه أزرق بطريقة محزنة»، وفي العام نفسه صدرت روايته الأولى «سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء». ثم توالت الأعمال فصدرت رواية «وقوف متكرر» (2006) ثم «سرير الرجل الإيطالي» (2007). ومع حلول عام 2010 صدرت أحدث رواياته «سيدي براني» عن دار الشروق المصرية. في انطلاقته الأولى كان العزب بالضرورة جزءاً لا يتجزأ من سياق روائي أعلن التمرد الكامل على السرديات الكبرى، وهو التمرد الذي بدأ في التسعينات مع كتاب وكاتبات من تلك الفترة، فكان التركيز على الذات بكينونتها ومسارها الشعوري وهواجسها ومفردات وعيها هو الأساس الروائي الذي تنطلق منه الكتابة. ولم يمنع ذلك دخول شذرات تطورت إلى مقتطفات من الحياة الشخصية الواقعية للكاتب، فكان النقد يوظف في تلك الأيام في شكل متكرر مصطلح السيرة الذاتية. وتحول الأمر إلى لعبة مسلية، فكلما صدر كتاب يحاول المحيط الثقافي تخمين هوية الشخصيات وتتبع مسار الأحداث. وعلى رغم مركزية الكتابة عن الذات إلا أنه بدا وكأن التخييل قد فقد مكانه ليحل الواقع محله من دون أي معالجة، وبالتالي فقدنا الخاصية الرئيسة للرواية وهى الإمتاع والمؤانسة.
مع صدور «وقوف متكرر» عام 2006 (صدرت في أربع طبعات متتالية) بدأت موجة أخرى من الكتابات، تلك التي تلتقط قصة «ملقاة على قارعة الطريق» (بتعبير الكاتب المصري منتصر القفاش في أحد مؤتمرات الرواية التي عقدت في المغرب) وتنسج منها عملاً روائياً. وحققت تلك الأعمال نجاحاً ملحوظاً في التفاتها إلى تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو متشرذمة، إلا أنها تنظم الأيام في وحدة متكاملة شكلاً متفتتة مضموناً. إنه حال الواقع المفروض علينا فرضاً. حصلت هذه الكتابات على تأييد الكثيرين واستدعت أيضاً معارضة غير معلنة، فقد بقي القارئ (الناقد) يبحث عن الإمتاع والمؤانسة حتى ظن أنهما صرعة قديمة وأن الزمن ما بعد الحداثي حرمه منهما.
مع صدور «سيدي براني» (وهو اسم مدينة على الحدود المصرية الليبية) يعود محمد صلاح العزب إلى الإمتاع في الحكي المكثف إلى أعلى درجة. وكما تقع «سيدي براني» على الحدود فإن لب النص ينطلق من المراوحة بين حدود الواقعي والأسطوري ليمزجهما معاً في بنية متكاملة تثير الدهشة. بطل الحكاية هو الجد الذي يعيش ثلاثة عشرة حياة، في كل مرة يموت ثم يعاود الظهور في شخصية أخرى في سياق مكاني مختلف ليتحول إلى شيخ متصوف في آخر حياة له في «سيدي براني».
أما الراوي فهو حفيد الجد، الذي نشأ في «سيدي براني» وعاش فيها حتى سافر إلى القاهرة بحثاً عن مريم التي التقاها في «سيدي براني». تنقسم الرواية إلى ثمانية فصول، يصدر الكاتب كل فصل منها بقول يبدو كأنه من أقوال الجد. إلا أن الحيلة المختفية هي أن تلك الأقوال تبدو وكأنها جملة واحدة مقسمة على الرواية. فيكون الجزء الأول، «وما دمت قد دخلت فلن تخرج حتى تشق قلبك بسكين كبير من الداخل شقاً يتسع لخروجك والشق الذي من الداخل... لا يلتئم». ويقول الجزء الأخير: «وما دمت قد دخلت فلا تخرج». كأن الرواية، التي تحكي عن تناسخ روح الجد، ترشد إلى طقوس الدخول، تلك الطقوس المعروفة ميثولوجيا وأنثروبولوجيا التي ترسم الحدود بين حياة وأخرى. ومن هنا تكون طقوس الدخول مزدوجة المعنى، فهي تشير إلى ما حدث للجد في انتقاله من مكان لآخر (بالروح) وتؤشر أيضاً على مبدأ الحكي الذي يصوغ هذا الانتقال. وينتهي الأمر أن الدخول لا خروج له، تماماً كالتناسخ الهندي والأساطير الإغريقية (ديونيسيس وتالوس).
ينتقل الجد من حياة الى أخرى من دون نهاية، حتى مع الموت الأخير (لأن الرواية لا بد أن تنتهي) يعاود الجد الظهور للحفيد وهو في لحظة اللقاء مع مريم. وهو ما يؤكد أن هناك حيوات أخرى خلف تلك الحياة الأخيرة. تشبه حياة الجد المتكررة العروس الروسية التي تحوي في داخلها عروساً أصغر وهكذا إلى ما لا نهاية. يستمر الحكي لتتوالد حكاية من حكاية من دون أن نصل إلى اللب المركزي. دائرة تتوالد منها (وتولد أيضاً) دوائر أخرى بحجر صغير: «حين مات جدي للمرة الأولى، لم يكن يملك سوى عصا من خشب رديء وجلباب طويل». من هنا تتوالى الحكايات (التي يحكيها الحفيد لمريم) إلا أنه في آخر الرواية يقول لها: «أنت لم تسمعي الحكاية من أولها، يا مريم سأحكي لك». حكاية لا تنتهي عملاً بالقول الذي تصدر الجزء الأخير من العمل: «وما دمت قد دخلت فلا تخرج». إنها سطوة الحكي الكاملة التي تدور حياة الحفيد داخلها محاولاً بذلك الحصول على مدد وعون من حيوات جده المتعددة مقابل حياته المفردة.
في الأقوال التي تتصدر كل قسم من الرواية والتي تبدو وكأنها دليل الرحلة يقول الجد: «لكن حذار أن تشغلك الحكايات الجانبية». وفي القسم الذي يليه يقول: «ومن يملك نفسه أمام سطوة الحكايات الجانبية؟». هكذا تتوالد الحكايات الجانبية التي تشكل خطاً رئيساً في النص بوصفها الواقعي مقابل الأسطوري. فمن حكاية مريم وعائلتها في اليونان ثم القاهرة، إلى حكاية سمعان خادم الجد الذي جاء من السودان بحثاً عن الرزق، وحكاية الخالة طيبة التي رعت الحفيد صغيراً والغزالة التي أرضعته ومظلوم الذي يعشقها... حكايات عشق وحياة وموت وصحراء... «سيدي براني» تضم الحكايات ولا تجعل لها أولاً أو آخراً. يحكي الحفيد لمريم عن حيوات جده ويحكي لسمعان حكاية مريم ويستمع الى حكايات الكل. ويتوق شوقاً ليستمع إلى جده فيحكي الجد مرة واحدة، مستخدماً لغة أهل التصوف والطريقة. وفي حكيه يشير ضمناً إلى بنية الحكاية (وبالتالي الرواية)، فيقول: «كل ما له بداية له نهاية، لكن ما لا أول له ليس له آخر، وتظل حبيس السؤال: ثم ماذا بعد؟ فتكتشف أنك مربوط بالوقت، لا قبل ولا بعد، لا أمام ولا وراء، عليك أن تصنع من كل لحظة حياة كاملة لا تنتهي بالموت وإنما بالحياة». ومن كل موت للجد يصنع العزب حكاية جديدة تنتهي (أو لا تنتهي) بموت يفضي إلى حياة ليصبحا وجهاً واحداً لعملة واحدة.
فهم الجد (الشيخ الذي حوله الناس إلى ولي) أن للحكايات سطوة، تماماً كما فعل محمد صلاح العزب. والجد هو الوحيد الذي يعرف أسرار حكايته ويعرف ما كان يهمس به في أذن كل فرد، ويعرف أنه لن يموت ما دامت حكايته لم تنقطع. لم يبق إذاً سوى الحكي والحكايات. امتلاك الحكاية سطوة وهو ما عبر عنه من قبل الراحل محمود درويش بقوله: «من يملك الحكاية يرث الأرض». يعيد محمد صلاح العزب السطوة للحكي الروائي ويفهم «أسرار لعبته» كما الجد تماماً.
Posted by
محمد صلاح العزب
at
٣:٢٠ ص
3
comments
عبلة الرويني تكتب عن سيدي براني:الحكي في فضاء مفتوح
نقلا عن جريدة الأخبار
ليست "الحكاية" ولكنه "الحكي".. هذا هو الجمال الخالص الذي أمسك به الروائي الشاب محمد صلاح العزب في روايته الجديدة "سيدي براني" الصادرة عن دار الشروق.. لا حكاية بعينها ولا شخصية محددة الملامح والقسمات تواصل مشوارها للنهاية.. لا نهاية، بل أيضا لا بداية، كل شيء يتداخل ويتقاطع في حركة هي الحياة.
"سيدي براني" هي الرواية الرابعة للعزب بعد "سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء"، و"وقوف متكرر" و"سرير الرجل الإيطالي" الصادرة عام 2007، وهو الإيقاع الذي سمح لصاحبه بخبرة جمالية وتجربة فنية بدت أكثر نضجا وبراعة.
ثمة استقلالية جمالية أو جماليات مستقلة في الرواية، ليست استقلالية الشكل عن المضمون، ولكن قدرة الحكي على تحرير ذاته وإطلاق أقصى طاقة للخيال والكشف عن سر النص، هذا ما تقوله اللغة أيضا بجمالياتها المستقلة، مفرداتها الدقيقة والموحية، بناؤها، والحكي في فضاء مفتوح منح الكاتب والقارئ أيضا براحا جماليا وحرية مضاعفة.
يجلس محمد صلاح العزب في فضاء سيدي براني على حافة الصحراء ممسكا بالرمال الصفراء بين يديه، مستمتعا بانفلاتها من بين الأصابع، بينما يغوص معها في حكاية لا تبدأ ولا تنتهي.
ثلاث عشرة مرة يموت فيها الجد لتبدأ الحكاية في كل مرة في مكان مختلف وزمان مختلف وحيوات اخرى، يقول الجد للحفيد الرواي: "عليك أن تصنع من كل لحظة حياة كاملة لا تنتهي بالموت، وإنما بالحياة"، وهو ما يفعله الحفيد تماما، لأن الحكاية هي الحياة أو "هي الأبد" كما يقول الراوي.
"سيدي براني" مدينة تقع على الحدود المصرية الليبية، وهو أيضا اسم أطلق على الرجل الذي ترك ليبيا هربا من حب خاسر ليقيم في هذه المنطقة ويحسبه الناس شيخا صوفيا، بينما يروي الحفيد حكايته المتجددة ثلاث عشرة مرة وأكثر.
التفاصيل ليست بطلا ولا تشغلنا كثيرا، فما تبحث عنه الرواية هناك بعيد وعميق، المكان سيدي براني ليس بطلا، لكن الصحراء تفرض حضورها وبراحها، "الجد" أيضا ليس بطلا للرواية لكن طبيعته الأسطورية تصيغ عالم الرواية بأكملها، ثم شيء أبعد من التفاصيل وأعمق، هو سر النص ووهجه.
يمزج محمد صلاح العزب الواقعي بالأسطوري، وربما يمزج الأسطوري بالأسطوري، والخيال بالخيال، ومن متعة إلى متعة نبدأ ولا ننتهي، هكذا تبدأ فصول الرواية بكلمات الجد: "مادمت قد دخلت فلن تخرج"، لن يمكننا الخروج بسهولة، فالحكايات تتوالد وتتنامى لتصيغ عالما من المتعة، حكاية الجد أو حكاياته المخترِقة حجب الزمان والمكان.. ليس بالإمكان الإمساك بملامحه ومعرفة قسماته، غير مسموح الاقتراب منه ومحاورته، لا عمر له ولا اسم له، هو فقط روح تملأ المكان بسطوة أسطورية.
وهناك حكايات جانبية يحذر الجد حفيده منها: "حذار أن تشغلك الحكايات الجانبية"، الخالة طيبة التي ربت الحفيد، يوم أن جاءوا به إلى سيدي براني، "الغزالة" التي قامت بإرضاعه، "وسمعان" خادم الجد الذي يسمع فقط ليحتشد صمته بكل الحكايات.
الحكايات الجانبية هي أكثر إنسانية، أصحابها من لحم ودم، وهم أكثر حضورا، لكن حذار ان تشغلك حكاياتهم، إنهم فقط علامات على طريق ممتد، طريق الحكي أو طريق الحياة.
Posted by
محمد صلاح العزب
at
٢:٥١ ص
2
comments

محمد صلاح العزب: سيدي براني استكملت أضلاع مثلث الرواية
حوار رشا حسني – جريدة الأخبار
كعادته لا يكتفي محمد صلاح العزب على طريق عبّده من قبل، فهو في روايته الجديدة سيدي براني الصدارة مؤخرا عن دار الشروق يذهب بمشروعه الإبداعي إلى منطقة جديدة تجمع بين الواقعية والفانتازيا ويطعم نصه السردي الذي يفيض بالشاعرية بتساؤلات وجودية يصيغها ببساطة دون تعال على القارئ ليمكنه من الاشتباك معها.
أما التحدي الحقيقي الذي واجه العزب في "سيدي براني" فقد تمثل في مدى قدرته على صياغة عالم متكامل متعدد المستويات ورصد تغيراته في مدى زمني ممتد.
سيدي براني هي نفسها صلاة العزلة التي اشتغل عليها العزب أكثر من سبع سنوات، باحثا عن عالم روائي مختلف، وحملت الرواية تجديدا شكليا يبدو في حجم الرواية الذي وصل إلى مائتي صفحة بخصوص رواياته السابقةالتي لم تكن تتجاوز مائة صفحة وتجديدا في المضمون تجلى في لغة السرد وبنية الرواية.
وتثير الرواية تساؤلات ناقشنا بعضها في حوارنا مع العزب.
ـ اختيارك لعنوان الرواية يوحي بأن المكان بطل رئيسي فيها لكن يبدو أن سطوة الحكاية أخفت كثيرا من شخصية المكان.. فهل قصدت خدعة القارئ؟
** عنوان الرواية "سيدي براني".. وسيدي براني علم على شخص هو المتصوف الليبي الذي وقع في الغرام فتم طرده فبدأ حياته في مكان آخر، وعلم على مكان وهو المدينة الصغيرة الواقعة قرب الحدود المصرية الليبية، وعلم على حكاية ارتباط هذا الشيخ بهذا المكان، وهذه العلاقة بين الإنسان والمكان والحكاية هي روايتي، ويمكنك تتبع هذا مع كل شخصياتها: الشيخ، سمعان، الراوي، مريم، طيبة، إلخ، فكأنه مثلث لا يمكن له أن ينغلق إلا بأضلاعه الثلاثة، والحياة نفسها هكذا، بمجرد تفاعل الإنسان مع أي مكان تكون هناك حكاية تستحق أن تروى. وسيدي براني الشخصية الحقيقية له حكايتان: حكاية رسمية تخفي ذكر العشق والطرد في قصته واختفاءه في النهاية، وقصة شعبية أسر لي بها البدو هناك ولا يعرفها الكثيرون حتى منهم، وهي التي ذكرتها في الرواية.
ـ طرقت في هذه الرواية عالما مختلفا تماما عن روايتيك السابقتين فهل تقصد تغيير هوية رواياتك من الواقعية الى الفانتازيا واخيرا الجمع بينهما معا في "سيدي براني"؟
** طوال الوقت أكتب في منطقتين واقعية وفانتازية الأولى تمثلها وقوف متكرر والثانية سرير الرجل الإيطالي، ولكل منطقة منهما جمالياتها المختلفة تماما، لكن سيدي براني أتت من منطقة ثالثة، وهي التحام الأسطورة الموروثة بالحياة الواقعية للرواي وكيف أثر هذا في شخصيته، فهو مثلا حين أتى إلى القاهرة في نهاية رحلته لم يعرفها جيدا وبالتالي لا نجد صورة واضحة للقاهرة كما نعرفها نحن، حتى سيدي براني التي عاش فيها لا تمثل إلا وجهة نظره عنها، مما صبغ الواقع بصبغة أسطورية كأننا نشاهد هذه الأحداث في فيلم تاريخي حتى وهي تجري حولنا. لكن هذا ليس معناه اللعب في هوية رواياتي، فأنا لا أحب أن يلعب فيها أحد، والرواية المقبلة مثلا هي رواية واقعية تماما تدور في القاهرة، وأنا أعتبر مشروعي الإبداعي ينقسم إلى قسمين: الأول هو الحفر في القاهرة تحديدا، بكل ما فيها من أماكن وحياة وبشر وخبرات وحكايات، والثاني: اللعب مع اللغة والخيال، والقسمين لا فاصل بينهما فهما يبتعدان ويتقاربان ويتداخلان طوال الوقت حسبما يتراءى للكتابة.
ـ ما هي دلالة الحيوات المتعددة في شخصية الجد؟
** هناك فكرتان انطلقتُ منهما، هما مصدر فكرة الحيوات المتعددة، الفكرة الأولى: تناسخ الأرواح، فكرت لماذا لا يتم التناسخ لنفس الشخص لماذا لا تخرج منه الروح وبدلا من ان تذهب لكائن حي تعود إليه مرة أخرى؟ والفكرة الثانية هي الخلود، الحلم اللأثير للبشرية، فرغم أن الخلود هو ما يتمناه كل حي إلا أنها أمنية لا تلتفت للطبيعة البشرية، فحاولت أن أفكر وأطرح السؤال وألعب معه فنيا: هل نحن كبشر بطبيعتنا وصفاتنا مؤهلون لفكرة الحياة إلى الأبد حتى لو تخللتها أوقات من الموت؟ وهل هذا ما نريده فعلا؟ وهل الموت ضد الإنسان أم معه؟ وكل ما فعلته أنني مددت الخط على استقامته غير حريص على الوصول إلى إجابة شافية، لأنها غالبا غير موجودة.
وتجليات هذه الحيوات المنفصلة تتضح أكثر في الحياة الأخيرة للجد، حيث بدت أسئلته عن الحياة والموت والإله أكثر وضوحا وتحديدا.
ـ عندك ولع باستخدام "ليد" أو مقدمة لفصول رواياتك إلى أي حد تخدم تلك الاستشهادات بنية الرواية؟
** فعلت هذا في روايتين: سرير الرجل الإيطالي وسيدي براني، وفي العملين كانت هناك ضرورة فنية وجمالية من وجهة نظري لتصدير الفصول بهذه النصوص، فالرجل الإيطالي يدعو إلى ديانة جديدة ولديه نص مقدس يمثل محور ديانته، فكان مهما أن آتي ببعض مقاطع من هذا النص المقدس، ووضعتها في بدايات الفصول بشكل مستقل ومميز كخارطة للوصول إلى عمق الشخصية، وهنا في سيدي براني لدينا رجل عاش 13 مرة يسر لأولاده وأحفادة بمقولات صوفية ليهديهم طريقهم في الحياة، وفي العملين هذه المقاطع تصنع نصا جماليا مختلفا وموازيا للنص الأصلي وتعطي ملامح حقيقية واضحة للشخصية الرئيسية.
ـ حضور المرأة في الرواية واضح لكنها دوما تصور كـ"متاع" فيما عدا شخصيتي مريم وطيبة.. لماذا؟
** بالعكس تماما، معظم إن لم تكن كل الشخصيات النسائية في الرواية فاعلة تماما، بدءا من الخادمة العجوز التي وقفت أمام أهل القرية جميعا في البداية لتنقذ الجد وتمنحه جمال حياته الأولى، حتى الغزالة المرضعة التي تعمل لإطعام زوجها القعيد وتدخل في غرام معلق مع ظالم، مرورا بالفتاة الهندية التي تأبت على الجد لتحرق نفسها مع جثمانه، حتى صبر الطفلة الصغيرة التي حلمت بأن تصبح ممثلة لكن الواقع وظروف الحياة البدوية قهرا حلمها الصغير.
ـ استخدام نصوص "الطاو" التراثية هل جاء استجابة لضرورة فنية أم أنه مجرد إخلاص لصيغة الرواية الحديثة المتحررة من التابوهات؟
** لم تعد هناك تابوهات أصلا، وبما أن الرواية تتعرض لهذه الأزمنة التراثية، فإن استخدام "الطاو" جاء استجابة لضرورة جمالية.
ـ قلت على لسان إحدى الشخصيات "البلاد تقاس برجالها ولا يقاس الرجل ببقعة من الارض يمكنه أن يتركها الى غيرها" إلى أي حد يعكس ذلك مفهوم الوطن لدى جيلك؟
** الوطن الذي لقنونا إياه ونحن صغار هو أناشيد الصباح من نوعية: مصر هي أمي نيلها هو دمي، وحين كبرنا فوجئنا بأن الوطن هو الابن الذي يقتل أمه من أجل عشرة جنيهات ثمن سيجارة البانجو، والموت على شواطئ الهجرة غير الشرعية، والخضار المسرطن، والمياه الملوثة والتسول من أجل بناء مستشفى. والمطلوب منا هو ترميم هذا الوطن الفاسد حتى يصبح صالحا للاستهلاك الآدمي.
Posted by
محمد صلاح العزب
at
٢:٢٣ ص
0
comments
Posted by
محمد صلاح العزب
at
١:٤٦ ص
0
comments