الأحد، ٢ نوفمبر ٢٠٠٨




رِِجْل - ولا مؤاخذة - الحمار



الوظيفة الأساسية لها معروفة في العالم كله، وهي أن يسير الحمار عليها دائمًا، ويرفس بها أحيانا. لكن في مصر هناك وظيفة ثالثة لها، وهي أن تغزل بها الشاطرة!
المصري يعشق الافتكاس، افتكس يفتكس افتكاسا فهو مفتكس، والمفتكس هنا يترك للعالم مهمة اختراع الأشياء من العدم، ثم يتلقفها، فيحوّرها ويدوّرها و"يقيّفها" على مقاسه ووفقا لاحتياجاته.
وأرجل الحمير في حياة المصريين كثيرة، فكل شيء ينفع لأي شيء، والمهم الإنجاز، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة، وإليك بعض الأرجل، على سبيل المثال، لا الحصر:
الحذاء: مصنوع من جلد طري ونعل صلب، لكي نرتديه في أرجلنا فيقينا حر الصيف وبرد الشتاء ومسامير الطريق وزجاجه، لكننا نعلق نموذجا مصغرا منه على أبواب البيوت وواجهات السيارت والمحلات، لمنع الحسد ورد العين.
الأذن: مصممة خصيصا لغرضين: السمع وتعليق النظارة، لكن موقعها المميز على جانبي الرأس أغرانا بتنويع استخدامها تبعا للمهنة، فالنجارون وموظفو الأرشيف يستعملونها كمقلمة، لوضع القلم وراءها، وسُيّاس الجراجات يركنون خلفها السجائر، ومحصلو الأتوبيسات والميكروباصات يضعون بداخلها العملات المعدنية، وكأنها حصالة.
الجرائد: المفروض أنها للقراءة والاطلاع على أخبار البلد، لكن نساءنا يستخدمنها كمفارش على الأرفف، ولتنظيف الزجاج، ويستخدمها الباعة في لف أي شيء يؤكل على وجه الخصوص، من أول ساندوتشات الفول والطعمية، وحتى الكيوي.
الكتب: خلقها الله للثقافة والمعرفة والتعليم، ونحن نطبعها للإشادة بجهود السيدة الأولى في المقدمة، ووضع صورتها على الغلاف الخلفي.
كروت الشحن: من اسمها، تستخدم لغرض واحد لا ثاني له، وهو شحن الموبايل بالرصيد، لكن الكارت فئة 100 جنيه، و200 جنيه، أصبحا بديلا عن الرشاوى المالية، ويكثر استعمالهما مع ضباط المرور، الذين لا يقبلون الرشوة المالية، ربما لحرمتها.
صدر المرأة: في كل أنحاء العالم له استخدامان فقط: الرضاعة، والإثارة، عندنا يتم استخدامه كخزانة لحفظ النقود.
الزهور: لإهدائها والاستمتاع بألوانها ورحيقها، لدينا تترك البنات هذا كله، وتمسكها لقطف أوراقها واحدة بعد الأخرى للتأكد من مدى حب صديقها لها: بيحبني، ما بيحبنيش، بيحبني، ما بيحبنيش... إلى آخر الوردة.
أقسام الشرطة: اخترعها الإنسان الأول لأهداف معروفة، منها: الحفاظ على الأمن والأمان، وفض المنازعات، وتحرير المحاضر، لكنها تحولت إلى سلخانات لانتهاك حقوق المواطنين وأعراضهم، بعصي المقشات، وبالكهرباء.. وممنوع دخول المحمول، خاصة إذا كان "من أبو كاميرا"، لأن استخدامه الأساسي هو استقبال وإرسال المكالمات، وليس نشر فضائح الشرطة على الهواء مباشرة، عندهم حق.

الاثنين، ٢٧ أكتوبر ٢٠٠٨

العفة في الحزام











العفة في الحزام!

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى.. لحد ما ياكل ويتخن ويبقى كويس، على رأي الشاعرة العراقية منال الشيخ في إحدى حالاتها على الفيس بوك.. الشرف "الرفيع" أفضل حالا، كما هو معروف، من الشرف غير الرفيع، فالشرف أنواع وأشكال وأحجام، وأحلى من الشرف الرفيع مفيش.
في رأيك، أين تقع "العفة" لدى المرأة؟
إذا كنت ممن يؤمنون بأن عفة المرأة في جسدها فأبشر، سنغافورة الشقيقة تعطيك الحل الناجع: حزام العفة، على شكل القطعة السفلى من الملابس التحتية للمرأة، من معدن غير قابل للصدأ، مصنوع في الولايات المتحدة الأمريكية، وموجه إلى الدول العربية والآسيوية، به العديد من المميزات، مثلا: "مفصلات" مرنة لسهولة الخلع والارتداء، قفل معدني غير قابل للكسر لإحكام "التحزيم" على الجسد وردع الذئاب البشرية، نسخ متعددة من المفتاح لاستخدامها في حال تعدد المستخدمين. وربما لا ينقص هذا الحزام حتى يصبح "فول أوبشن" سوى أن يكون مرشوشا بالأحمر الميتاليك، وبه جهاز إنذار، ومكتوب عليه من الخارج بالفوسفوري: ممنوع الاقتراب أو التصوير، منطقة محظورة.
صاحبة الشركة المصنعة لأحزمة العفة لم توضح إذا كانت هي شخصيا تستعمل منتجاتها أم لا، لكنها صرحت بأن المستهلك المستهدف هو الزوج الذي يشك في عدم إخلاص زوجته له, وأولياء أمور الفتيات المراهقات، والمرأة التي تخشي وقوعها ضحية للاغتصاب.
إذا كنت ممن يؤمنون بأن عفة المرأة في جسدها، فعليك مؤقتا الاكتفاء بحزام العفة، تأمينا للأهم، حتى تتمكن الشركة من تصميم "بدلة العفة" من معدن غير قابل للصدأ أيضا، ويمكنها إحاطة الجسم كله، بدءا من الشعر حتى أخمص القدم، مع ترك فتحات مناسبة للتهوية، فلا أحد هنا ولا في أمريكا ولا حتى سنغافورة يريد المساس بالمرأة "المعلبة" على الإطلاق، فقط الجميع يستهدف حمايتها من المجتمع الخارجي وشروره وآثامه، وهذا على كل حال أفضل كثيرا من فكرة إراقة الدم على جوانب الشرف الرفيع، فحدود الجوانب غير مأمونة، وربما تناثرت بعض القطرات هنا وهناك فأصابت حواف الشرف أيضا وليس جوانبه فقط.
سؤال أخير: إذا كانت قيمة مخالفة عدم ارتداء حزام الأمان في السيارات 50 جنيها، فما قيمة مخالفة عدم ارتداء حزام العفة؟

السبت، ١٨ أكتوبر ٢٠٠٨





ضد "الجنيه الفضة"

كأنني دخلت إلى سيناريو مكتوب مسبقا، أشرت إلى الميكروباص، فتوقف بشكل طبيعي، تماما كما يتوقف أي ميكروباص يشير إليه أي راكب، انفتح الباب، كأي باب، وركبت، ككل مرة، وتنحى أحد الزملاء الركاب فدخلت وجلست إلى جوار الشباك، الذي لا يختلف في شيء عن أي شباك آخر.
وضعت يدي في جيبي، كالعادة في مثل هذه الظروف، وأخرجت ورقة بعشرين جنيها، من الخضراء المعروفة، وناولتها للجالس أمامي، وبمجرد أن أشهرتها في الهواء، ضج الركاب بالضحك، كأنني أخرجت نكتة من جيبي، حاولت استيضاح الأمر، فلم أفهم، ونظر إلي الركاب نظرات ملؤها الشفقة والعطف وأشياء أخرى.
الجالس بجواري، الذي كان قد تنحى منذ قليل، مال على أذني ونصحني:
- لو معاك فكة اديهاله أحسن.
ثم اعتدل، كأنه لم يقل شيئا، وكأنه أدى كل ماعليه في الحياةن وبإمكانه أن يموت مرتاح الضمير.
لم أتعمد تجاهل نصيحة جاري الطيب، ولا عدم الاتعاظ بضحكات الركاب، لكن ما باليد حيلة، وما بالجيب فكة أقل من العشرين جنيها. أعطاها الراكب الذي أمامي للذي أمامه في تسلسل منطقي للأحداث، وما إن وصلت إلى يد السائق حتى أمسك بها، كأنها فرامل يد، في زمن عزّت فيه فرامل القدم، نظر إلى العشرين جنيها بوله، ونظر إلي في المرآة نظرة معناها: يا أهلا وسهلا.
الركاب الأعزاء، الذين ضاعت من قلوبهم أسباب التعاطف مع راكب زميل، أوقعه حظه العثر في موقف كهذا، ضجوا بالضحك مرة أخرى، وارتفع الضحك جدا، والسائق يضع يده في علبة أمامه، هي في الأصل النصف السفلي لجركن زيت مقطوع إلى نصفين، ويخرج قبضة ممتلئة من الجنيهات وأنصاف الجنيهات المعدنية، ثم وهو يناولها للجالس بجواره ويطلب منه عدّها، ثم وهو يدخل يده مرة أخرى في العلبة ليخرجها ممتلئة عن آخرها بحفنة اخرى من النقود.
15 جنيها، و8 أنصاف جنيه معدنية، وصلت إلي بنفس التسلسل المنطقي للأحداث الذي ذهبت به العشرون جنيها.
الراكب الطيب الجالس بجواري أشار لي على الرجل الذي يجلس ورائي، فتطوع الأخير برفع يده أمام وجهي، قائلا:
- أنا كمان خدت باقي العشرة جنيه فضة.
لم اعرف ماذا ينبغي عليّ أن أفعل، في حين تعالت تعليقات الركاب:
- حرام عليك طب حتى كنت تديله في وسطهم ربع جنيه ورق.
- خلي بالك بس لحسن يشخللوا ويلموا عليك الحرامية.
- حرام عليكم.. ممكن في أي لحظة تبقوا زيه.
كان ذهني يعمل بسرعة كبيرة:
أولا: سأؤسس جروبا على الفيس بوك أجعل عنوانه: تضامنوا للقضاء على الجنيه الفضة.
ثانيا: سأشتري صرة قماشية، لأحمل فيها الدنانير، أقصد الجنيهات، إذا تعرضت لمثل هذا الموقف مرة أخرى.
ثالثا: على جني يا اسطى، خد فلوسك، وهات العشرين جنيه بتاعتي.



السبت، ٢٠ سبتمبر ٢٠٠٨

إعلان.. عن نفسي وبفلوسي

وقوف متكرر
عن دار الشروق قريبا جدا




الاثنين، ١ سبتمبر ٢٠٠٨



جمهورية المفطرين في رمضان


ليس الشهر الكريم تمراً فقط، ولا فوانيس صينية تمشى على عجلات وتغنى: "هاتى فانوسك ياختى يا إحسان.. آه يا ننوسك فى ليالى رمضان"، ولا ياميش وتمر هندى وعرقسوس، وكنافة وقطايف، وتراويح، وحلّو يا حلّو رمضان كريم الله أكرم، ولا زحمة ما بعد الساعة 3 العصر، ثم أذان المغرب عليك فى الطريق فيلقى إليك أحدهم بتمرة مبلولة أو برتقالة أو إصبع موز، وربما بضع حبات فول سودانى.

رمضان ليس طبق السلطة الذى تنتهى من تحضيره مع كلمة الله أكبر، ولا سيجارة بعد الفطار، ولا المسحراتى، ولا مواعيد العمل الجديدة، ولا "اللهم إنى صايم"، ولا "متخليناش نفطر عليك"، ولا ليلة رؤية الهلال، ولا "وحوى يا وحوى إيوحا"، ولا سحور فول بالزيت الحار عند البغل فى السيدة زينب، ولا محاولات غض البصر أول ثلاثة أيام فقط، ولا السمن والسكر والفراخ والزيت واللحوم والأسماك التى ارتفعت أسعارها، ولا طابور العيش لساعتين قبل الإفطار، وساعتين بعده، ولا الثواب العظيم على الأعمال، أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

هناك جانب آخر ليس من الممكن إغفاله:

المقاهى والمطاعم التى تفتح فى نهار رمضان، أبوابها مواربة، نصف مغلقة ونصف مفتوحة، انحنِ قليلاً، وادخل إن أردت، ستجد زحاماً لا بأس به، هنا جمهورية المفطرين المتحدة، رعاياها لا يمكنهم فهم أن السنة أقل من 12 شهراً، لا يستطيعون أن يجعلوها 11 شهراً، وشهر، الحياة متصلة لديهم، لا يمكنهم قطعها، منهم من يصلى كل الفروض، منهم المريض وصاحب العذر، ومنهم من يؤكد لنفسه أنه سيصوم حتما فى العام المقبل، ومن يرى أن "ربك رب قلوب"، لكن حين يقفل الباب عليهم "نص قفلة" يتساوى الجميع، شاى هنا، وشيشة هناك، وساندوتشات ووجبات وحاجة ساقعة، وقهوجى أو جرسون ربما كان يفضل الصوم "لكن مينفعش"، وربما يكون صائما فعلاً.ستمر حتماً وتجدهم بالداخل، ستنظر إليهم على أنهم: "الناس الفاطرين"، وسينظرون هم إلى كل من يمر باعتبارهم "الناس الصايمة"، سينقضى الشهر، وتفتح أبواب المقاهى، ليهتف الجميع معا: "رمضان ولى هاتها يا ساقى"، ولتتحد قوى الشعب الصائمة والمفطرة لأحد عشر شهرا أخرى، فى انتظار هلال جديد لرمضان جديد، وحلّو يا حلّو، تم البدر بدرى والأيام بتجرى، ووالله لسه بدرى والله يا شهر الصيام.

الخميس، ٣١ يوليو ٢٠٠٨


هذا التمثال البديع هو مشروع تخرج النحات والروائي علاء عبد الحميد، وحصل به على الترتيب الأول على دفعة 2008 من كلية الفنون الجميلة، شاهدوا صورا وكتابات أكثر على مدونته هنا، وانتظروا قريبا روايته "call me" عن دار ميريت

السبت، ٥ يوليو ٢٠٠٨


رئيس جمهورية لكل طالب


"بهات أبو المجد" سيدة أقصرية تبيع الفجل، والفجل له فوائد عظيمة، أهمها أنه يقي من مرض الإسقربوط، ويقوي اللثة والأسنان.
الفجل يباع بالحزمة، كل حزمة بعشرة قروش، وبحزمة على حزمة تخرجت ابنة "بهات" الكبرى مهندسة زراعية بتفوق، لكن "صفوت" ابن "بهات" لم يحب الفجل مثل أخته، فلم يدخل كلية الزراعة، دخل ثانوية صناعية ميكانيكية، ولم يحب العربي لأنه وجد به مرارة تشبه طعم الفجل. واضعو الامتحانات عرفوا عنه هذا، فنصبوا له كمينًا، أتوا له بامتحان شنيع الصعوبة، فجلس أمام الورقة يعاني، زملاؤه كانوا يغشون وهو لا يغش، وفي النهاية اكتشف الكمين، العربي ظُلم، وبيع أمه للفجل ظُلم، كتب في الورقة: "حاكم ظالم وشعب مظلوم".
"بهات" تحاول إنقاذ ابنها، تقول: "عيل وغلط، الواد مرعوب، واحنا خايفين لأننا ناس غلابة، وأنا بجاهد عشان أصرف على ولادي، صفوت لما راح الامتحان طلبوا منه فلوس عشان ضيافة المراقبين، ولأنه مامعهوش كانوا بيراعوا كل الطلبة إلا هو، فخرج عن شعوره".
الرئيس مبارك هو الحاكم، و"بهات" ناشدته الإفراج عن "صفوت"، لأنه أصيب بنوبات بكاء تمتد ساعات طويلة، بسبب احتجازه لدى امن الدولة لمدة 4 ساعات، ولأنه أصيب باكتئاب شديد منعه من الكلام، ولأن مديرية "التربية" قررت تربيته وحرمته من استكمال الامتحانات.
"صفوت" ربما لا يعرف "آلاء فرج عبد العال" التي كتبت في امتحان العربي في أولى "ثانوي عام" في 2006: "ماذا سنجني من الدولة إلا ما هو رديء وخسيس، كبار قواد مصر لا يريدون لها التقدم، والرئيس بوش ينفذ سياسات تؤذي مصر وشبابها، والأغرب أن رئيسنا يستجيب لهذا السافل"، ثم كتبت فقرة أخري خاطبت فيها الرئيس قائلة : "احكم فينا بكتاب الله وسنة رسوله، لقد اعتدنا على هذا النظام المهين".
الدكتور مفيد شهاب وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس النيابية قال وقتها عما كتبته آلاء: "إن استخدام الطالبة لهذه العبارات يمثل "قذفًا" للنظام واستهتارًا بالآداب"، ومسئولو التربية والتعليم بالأقصر أكدوا أن "صفوت" كتب "ألفاظا نابية وعبارات مجرّمة يعاقب عليها القانون".
الإسقربوط مرض يفقد فيه الجسم القدرة على شفاء الجروح بسبب عجز الأنسجة عن الترابط. آلاء نجحت بتدخل جراحي من رئيس الجمهورية، تجنبا لإسقربوط مجتمعي، وقالت الجرائد الحكومية إنه الرئيس اتصل بالطالبة أثناء تواجدها ووالدها في مكتب الدكتور يسري الجمل وزير التربية والتعليم لتسلم شهادة النجاح وقال لها: "لا تخافي، عبري عن رأيك بحريتك وبراحتك وبأسلوبك، مهما كان هذا الرأي مخالفاً لمن حولك".
لو كان هذا صحيحا فقد عبّر "صفوت" عن رأيه، بحريته، وبراحته، وبأسلوبه. فهل سيتدخل الرئيس مرة أخرى، حتى يمنح مانشيتا "أحمر" لصحافة الحكومة، وهل معنى هذا أننا أصبحنا في حاجة إلى رئيس جمهورية لكل طالب جريء؟!

المقال هو الأول للكاتب في جريدة اليوم السابع