الأحد، 31 ديسمبر، 2006




مقطع جديد من روايتي الجديدة "وقوف متكرر"، والتي ستصدر بإذن الله في معرض القاهرة الدولي للكتاب، يناير 2007 عن دار ميريت


ملحوظة: هذا المقطع بعيد في الترتيب عن المقطع السابق نشره.




مدينة السلام
1

((السلام.. اسبيكو.. السلام)).
تتجاوز الصبي الذي ينادي، وتركب في الكرسي الأمامي إلى جوار السائق وتقول لـه:
((خلاص اتنين هنا)).
فيقول للصبي:
((خلاص الباشا هنا.. ما تجيبش حد قدام)).
تجلس براحتك، ويكتمل عدد السيارة فيغلق السائق بابه الذي كان مفتوحا، ويقول لك:
((معلش الحزام يا باشا)).
فتضع حزام الأمان على جسدك بشكل وهمي دون أن تربطه، ويقول بصوت عالي:
((العربية صلاح سالم يا افندية)).
تريح رأسك على الكرسي، ولا تستيقظ إلا في نهاية الخط.

2

لا تذكر من أيام شبرا الخيمة سوى القطار، والمؤسسة، وصوت مصانع النسيج في مرورك اليومي إلى المدرسة، والبنت منى أحمد التي ظللت تحبها حتى نهاية الخامس الابتدائي، تتبادلان النظر والابتسام طوال الحصص، والتي خاصمتك لأنك وشيت بها عند مدرس الرسم؛ لأنها لم تحضر ألوانها، ولم تقف لتضرب مع كل من لم يحضر ألوانه، فظلت تبكي طوال اليوم عندما ضاعف لها الضرب (8 عصيان)، وسامح كل الباقين وأنت منهم.
تذكر أيضا سعيد مغرفة، والذي أسماه الأستاذ سليمان الورداني بذلك لأن له أذنا عادية، وأذنا مفلطحة تشبه المغرفة.
كان يسكن في الشرقاوية على الجانب الآخر من الطريق السريع، بعد كشك الشرطة العسكرية، تطل شقته على مصنع ياسين للزجاج.
في هذه الفترة كان بيت جدتك في روض الفرج، ترسلك لتشتري لها أكوابًا للشاي، فتقول:
((قل له عايز من بتوع مصنع ياسين.. إوعى يضحك عليك ويديك من الكوبايات اللي معمولة تحت السلم)).
قال لك:
((قابلني في المؤسسة بعد العصر قصاد كشري أبو سنة.. ونروح عندنا نذاكر سوا)).
شقته ضيقة جدا، ورثة، وغير مرتبة، فشعرت به مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي يجاورك في الدكة، والذي تتكلم معه كل يوم عن منى أحمد.
خرجت أمه عليكما وكانت نائمة بشعر منكوش وقميص نوم فاضح، ارتبكت وقلت له:
((تعال نقعد في البلكونة)).
تركتما المذاكرة، وأحضر السلم والثعبان فلعبتما، كان المبني المواجه ضخما وقريبا إلى حد ما، قال عندما لاحظ كثرة التفاتك إليه:
((ده مصنع ياسين)).
لم تصدق أن تراه هكذا مرة واحدة:
((بتاع الكوبايات؟!)).
((آه بتاع الكوبايات.. والزهريات.. وطفايات السجاير.. والشفاشق الإزاز.. أنا أبويا بيشتغل فيه)).
لم تصدق، وظلت تكذبه حتى أحضر لك أمه، وقد ربطت رأسها، وارتدت جلبابًا مكرمشًا وممزقًا من تحت الإبط، أشارت إلى مصنع ياسين فبان شعر كثيف، وأكدت أن أبا سعيد يعمل فيه.
عادت صورة سعيد تكبر في نظرك، مع أنك كنت أشطر منه في المذاكرة، وشقتكم واسعة، ومرتبة، ونظيفة، بالإضافة إلى أنك غلبته أربعة أدوار سلم وثعبان
.

الأربعاء، 13 ديسمبر، 2006

فصل من روايتي الأخيرة وقوف متكرر
والرواية ستصدر عن دار ميريت بإذن الله، وحسب دماغ عمنا محمد هاشم
في معرض القاهرة الدولي للكتاب، يناير 2007
مـديـنـة نـصــر



كان اللقاء الأول لراندا وياسمين هكذا:
أمام كشري شيخ البلد في شارع عباس العقاد تقف ياسمين تحت الرصيف، في حين تقف راندا على حافة الرصيف بعدها بثلاث سيارات.
تعتمد راندا بشكل أكبر على فراسة الزبون وخبرته، فهي لا تبدو مميزة على الإطلاق، بمظهرها الجامعي العادي، والكشكول السلك الذي تريحه على صدرها، مما يجعل كثيرا من الزبائن لا يلتفتون إليها، يحقق هذا لها نوعا من الأمن من أمناء مباحث الآداب الذين يجولون بملابس ملكية بشكل مكثف في هذه المنطقة، كما يتيح لها فرصة اختيار الزبون المقبول شكليا لمواجهة حالة التقزز التي وجدتها في أول مرة مع معلم الجزارة ذي الخمسين عاما في سيارته اللادا القديمة، والذي ركبت معه بعد أن ظل يطاردها بالسيارة، ويقول لها:
((اقعدي معايا نص ساعة وخدي اللي انتي عايزاه)).
كان مرتخيا جدا، وصارحها بأنه يصبغ عانته.
أما ياسمين فتعتمد على الشكل السبعيني لبنت الليل، مع بعض التعديلات الطفيفة كنوع من مواكبة العصر: الميكب الأوفر، واللبانة، والوقفة المتمايلة، والتلفت المستمر، والملابس الضيقة المكشوفة، وحقيبة اليد الكبيرة التي يفهم بحكم المنظر العام ما تحتويه.
هي لا تقلق كثيرا من مسألة أمناء الآداب هذه، فهي تعرف معظم ضباط وأمناء وعساكر أقسام شرطة مدينة نصر أول وثان، ومصر الجديدة، والنزهة بحكم دائرة عملها، وتقدم لهم باستمرار رشاوى جنسية، أو مادية، أو تقوم بدور الوسيط في مصالح كبري بين الضباط وبعض زبائنها المهمين.
كنتما في جولة اصطياد، وحينما لمحت ياسمين بشكلها المميز قلت لمنعم:
((تمام أوي.. أقف)).
وأشرت لها بيدك فلمحتك، وتظاهرتْ بأنها لم تلاحظ شيئا، وبعد حوالي دقيقتين نظرتْ في الساعة، وتبرمتْ كمن كانت تنتظر شخصا وتأخر عليها، ثم بدأتْ في التحرك نحوكما بهدوء.
جاءت وقفتكما مواجهة تماما لراندا، فظنت أنكما وقفتما من أجلها، وفي نفس اللحظة التي فتحت فيها راندا الباب الأيمن، أتت ياسمين من الخارج كنوع من التمويه وفتحت الباب الأيسر، أغلقت ياسمين بابها بسرعة وهي تقول:
((اطلع على طول)).
في آخر عباس العقاد عند إنبي نزلت أنت وياسمين، فركبت هي في الكرسي الأمامي إلى جوار منعم، وركبت أنت في الخلف إلى جوار راندا، بعد تبديل الأماكن، تحرك منعم بالسيارة، وقال لياسمين التي بدت أكثر خبرة:
((بتاخدوا كام؟)).
نظرت بترفع لراندا وقالت:
((هو إيه اللي بتاخدوا.. إيه دي.. أنا ما اعرفهاش)).
تبادلت النظرات مع منعم وضحكتما، قال:
((الفقي لما يسعد)).
بهدوء قالت راندا:
((أنا عاوزة تلاتين جنيه)).
بدا مطلبا بسيطا ومتواضعا، فهززت لها رأسك، وسألتها:
((انتي اسمك إيه؟)).
((راندا)).
ولمحت الصليب الأخضر الصغير في معصم يدها اليمني، لكنك تظاهرت بأنك لم تره حتى لا تفسد الليلة.
قال منعم لياسمين:
((وانتي زيها)).
فشخرت وهي تسحب سيارة LM من علبة منعم:
((زيها إيه العيلة دي. دا أنا مفتوحة)).
حاولت أن تضع يدك على راندا، فالتفتت ياسمين، وقالت لها:
((شيلي إيده يا عبيطة.. الفلوس أول حاجة)).
قالت راندا:
((ما أنا عارفة)).
فشعرت أنها بريئة، وأنها أتت إلى هنا بطريق الخطأ.
أعطيتها الثلاثين جنيها، ولم تسكت ياسمين التي ظلت تشخر وتسب لشغـل العربيات ((اللي ماعدش جايب همه)) إلا بعد أن أعطاها منعم خمسين جنيها.
سألها منعم عن اسمها، فقالت:
((ياسمين)).
وسألتك راندا:
((معاك كلينكس؟)).
أخرجتَ لها كيس مناديل ميني فلورا، فهزت رأسها رافضة، وارتفعتْ قليلا عن الكرسي، وأخرجتْ من جيب بنطلونها الخلفي كيس مناديل فاين، قالت:
((مش بحب الفلورا عشان بيفرول)).
كان منعم قد وصل إلى الحي العاشر، وخرج على طريق النادي الأهلي، ركن في شارع جانبي مظلم، أغلق أنوار السيارة وتركها دائرة تحسبا لأي موقف، وأغلق كل واحد منكم الزجاج الذي بجواره والباب بالموسوجر.
وفي وسط اندماجكم رن فجأة موبايل بنغمة ((ما ترحش بعيد يا حبيبي)) بولـي فونيك، فأخرجت ياسمين الموبايل من جيبها، وقالت باهتمام:
((ازيك يا قمر.. لأ هو انا اقدر)).
حاول منعم أن يتكلم، فوضعت يدها على فمه بقوة، ولم تنزلها، أكملت:
((نص ساعة وتعالى خدني من قدام السندباد، واحتمال أجيب لكم معايا حاجة حلوة، كانت صامتة تسمع، ولا ترفع يدها من على فم منعم، فشعرت بأنها حركة مهينة ومن واحدة كهذه، وقلت في نفسك إنك لو كنت مكانه لصفعتها على وجهها، قالت:
((ماشي يا جميل.. ماشي.. سلام)).
وأغلقت.
حاول منعم أن يقبلها لكنها دفعته بعنف:
((مش بحب البوس)).
فقلتَ لراندا:
((ما تشوفي صاحبتك هتبوظ لنا الليلة)).
قالت ياسمين، ودارت برأسها، ولم ترفع عينها عن بنطلونك المفتوح:
((ريحة بقه وحشة قوي.. عاملة زي ريحة الشراب)).
فتخلى منعم عن مسألة التقبيل، وأعدت أنت رأس راندا إلى أسفل مرة أخرى.
فجأة ضحكت ياسمين ضحكة حقيقة عالية ورقيعة، وجذبت راندا من شعرها:
((إلحقي عامل إزاي.. ده رفيع وأبيض.. عامل زي السوجارة)).
دفعت راندا رأسها بين الكرسيين الأماميين لتنظر، ضحكت نصف ضحكة وهزت رأسها لياسمين.
نزلت كل منهما مرة أخرى إلى صاحبها وارتفع صوت أذان العشاء من مكبر صوت قوي لجامع قريب، فرفعت ياسمين رأسها بسرعة، وأغلقت ملابسها، قال منعم:
((إيه؟)).
قالت:
((استنى لما يخلص)).
بعد أن عادت بقليل ضحكت ضحكتها الرقيعة مرة أخرى، قالت:
((إلحقي جابهم بسرعة ازاي)).
فقال منعم مبهوتا يدافع عن نفسه:
((دا أنا جابيهم بمزاجي)).
فضحكت وقالت:
((ما كلهم بيقولوا كده)).
نزلت راندا أخرى على بنطلونك المفتوح، ومر وقت طويل، وهي بين الحين والآخر تقول لك:
((قربت)).
فترد عليها:
((لسه)).
تركت ياسمين منعم نهائيا التفت بجسدها تتابع الموقف عندك، وتقدم توجيهات عملية لراندا التي ملت في النهاية، وقالت لياسمين:
((أنا تعبت.. بقالي ساعة طالعة نازلة وما فيش فايدة)).
جذبت ياسمين رأسها ووشوشتها في أذنها، فاومأت لها راندا بالفهم، وبعد قليل، لاحظت أن راندا تقرب المنديل من فمها وهي تطلع وتنزل، تبلله بلعابها، ثم قامت فجأة وقالت:
((أخيرا.. خلاص)).
ففهمت أنت ما وشوشتها به ياسمين، وقلت:
((هو إيه اللي خلاص؟)).
فرفعتْ المنديل المبلل بلعابها أمام وجهك:
((أهم.. أمال إيه ده؟)).
لم تهتم كثيرا، فأنت تعرف أنك تتأخر، وأن البنت تعبت معك، أغلقت بنطلونك، وحاولت أن تقبلها في خدها، فامتنعت وقالت:
((كده خلاص)).
عدلتْ ملابسها، وأخرجت مرآة صغيرة، وإصبع روج، وضعت منه بشكل خفيف، وسوت شعرها بيدها، وانزوت في الكرسي واضعة يدها اليمنى على الشباك الأيسر. قالت ياسمين لمنعم الذي بدأ في التحرك بالسيارة:
((ودينا عند السندباد)).
وقالت لراندا:
((ما تيجي معايا المشوار ده.... هي ساعة بالظـبط وهديكي خمسـين جنيه)).
لم ترد عليها راندا، ولم تعترض، لاحظت أنها مترددة وخائفة.
حاولت أن تكلمها فأبدت تمنعا كما لو كنتما تتعارفان للمرة الأولى على كوبري قصر النيل.
قالت إنها تدرس في جامعة حلوان، ولم تحدد الكلية، قالت إن أباها يعمل محاميا، وإنه أراد أن يغصبها أن تدخل كلية الحقوق لكنها رفضت، قالت إنها تمارس ذلك كهواية:
((يعني بشتري لبس وميكب وبدفع فاتورة الموبايل.. وكمان ساعات مش باخد فلوس)).
دخل منعم البنزينة، فنامت على الكرسي؛ حتى تخفي وجهها.
مددت يدك وفتحت غلاف الكشكول الذي وضعتْه بينكما حتى لا تقترب منها، فوجدت مكتوبا:
مارينا عزيز كامل.
الفرقة الثالثة.
كلية الحقوق.
جامعة عين شمس.
نزلتا عند السندباد، وأمسكتها ياسمين في يدها وهما يعبران الطريق السريع، ونزلت أنت لتجلس في الكرسي الأمامي إلى جوار منعم.
بعد ذلك سترى راندا وياسمين معا أكثر من مرة في عباس العقاد ومكرم عبيد، دون أن تراك إحداهما، سترى راندا قد تخلت عن شكلها البسيط، وبدأت تميل إلى أن تشبه ياسمين في طريقة اللبس والميكب، ومرة وأنت مع هند بنت خالك في الملحق التجاري لهيلتون رمسيس، ستكون صاعدا أنت وهند أمامك على السلم الكهربائي، وتراهما نازلتين في مواجهتكما ومعهما ثلاثة شبان خليجيين، ستراك راندا وتبدو كأنها لا تعرفك.
طوال الطريق الطويل المحاذي لسور المطار لم ينطق أحدكما بكلمة، فكان صوت السيارة عاليا وصاخبا، عند مطلع كوبري الهايكستب نزلت السيارة في مطب فاهتزت بشدة، قال منعم:
((والله العظيم أنا جايبهم بمزاجي)).
هززت له رأسك موافقا ومتواطئا، وزاد هو من سرعة السيارة حتى تفترقا بأسرع وقت ممكن.